تتغيّر العادات الاجتماعية والطبائع البشرية مع تغيّر الأوضاع المعيشية والتعليمية والثقافية والمادية، ما يؤدي إلى تغيّر في الأفكار والمعتقدات، وقد تتغير النظرات القيمية لبعض الأمور المعنوية، فينشأ عن ذلك صراع نفسي واجتماعي يترك أثراً سيئاً في النفس البشرية، فيجعل الإنسان لا هو الذي يريد التغيّر، ولا هو الذي يستطيع التمسك بما لا يريد تركه؛ خشية الاتباع أو التخلف، وإن كان يجهل ذلك أو يتجاهله. وقد يكون الترك أيضاً نوعاً من الاتباع، ولكن بدافع التحرر وكسر القيود.

في العقدين الأخيرين، فُرضت علينا أمورٌ قسراً، كانت من نتائج تداخلنا مع العالم الافتراضي ووسائل التواصل الاجتماعي. أخذناها، وتعاملنا معها وبها، ولم نرتح إلى كثيرٍ منها. وقد توافقنا مع بعضها، ولم نتوافق مع الآخر، لكنها أصبحت هي السائدة والمتداولة في المجتمع الافتراضي. ومع ازدياد تغلغلها، تُركت في المقابل عادات اجتماعية حقيقية أخرى، لكنها لم تُترك كلياً؛ فما زال البعض يركن إليها على رفّ التزلف الاجتماعي في المناسبات والزواجات والمآتم، بداعي «العادات والسنع»، مع أنه قد لا يعرفها حق المعرفة، ولا يتعامل بها في حياته اليومية. المهم أنها موجودة، وليس مهماً الأخذ بها أو التربية عليها. وهذا ما سبّب للمجتمع صراعاً نفسياً مؤلماً، أشبه بالتناقض بين الأخذ والترك؛ فهل القيمة في التعاطي مع هذه العادات، أم في تركها بداعي التطور الحضاري وتغيّر الأحوال، مما يدعو إلى تغيّر العادات؟

من الطبيعي جداً أن تتغير العادات الاجتماعية تبعاً للتغيرات الحاصلة في ظروف الحياة، ولكن كيف للإنسان أن ينظر إلى نفسه بين قوى الجذب التي تتنازعه، بين الأصالة والعادات من جهة، وبين التطور والتحضر من جهة أخرى؟ فهل يذهب إلى التطور، ثم يدّعي التمسك بالعادات متى شاء؟ أم يعيش وحده داخل صندوق، لا يفتحه إلا لانتقاء العادة المطلوبة، في المناسبة المطلوبة، وبالكيفية المطلوبة، لتمثيل الدور المطلوب؟

أعتقد أن الإنسان في المجتمع الكويتي يجب أن يقف أمام نفسه، إن أحسن الوقوف أصلاً، وإن كان يعرف نفسه على حقيقتها، ليعرف عاداته الاجتماعية، وإرثه الحضاري، وكيفية التمسك به، مع طيّ بعضه بما يحقق التجانس مع السرعة العالية للتغير الاجتماعي. وليس هدفي هنا المحافظة على الهوية بقدر ما هو معرفة النفس؛ لنعرف ما نأخذ، وما نترك، وما نقصّر فيه تجاه ماضي عاداتنا.

وإن هذا الحديث لم ينتهِ زمنه، بل تزداد الحاجة إليه؛ حفاظاً على الإنسان من صراع الهويات، والرغبات النفسية، والكينونة الإنسانية، حتى لا تتعرض للتلف والتدمير بداعي مواكبة وسائل التواصل الاجتماعي، ذلك العالم الذي تُديره الأوهام في كثير من جوانبه. وبالتالي، يصبح الإنسان تابعاً للوهم، تاركاً إنسانيته، فتنتج نفس هشة، وليدة مجتمع مفكك، لا مرجع له، ولا قاعدة ينطلق منها، ولا عرف يجمع بين أفراده لتشكيل رأي، ولو كان ذلك الرأي خاطئاً.