النفس الإنسانية لها غايات ورعونات كثيرة، منها غايات بشرية، وأخرى حيوانية. والرغبات البشرية منها ما هو سامٍ، ومنها ما هو دوني، والرغبات الحيوانية منها ما هو فطري، ومنها ما هو سبعي، وكلاهما قد يجتمع في الإنسان. وهذه الرغبات تتخالط في دواخله وأعماقه النفسية كلما أفلت زمام نفسه، ولم يدرك بعقله ويستفتِ قلبه في هذه الرغبات، متأملاً إياها ومحللاً لها.

«الرهان» قصة قصيرة للكاتب الروسي أنطون تشيخوف، تدور حول شاب محامٍ مكافح تناقش مع رجلٍ رأسمالي حول عقوبة الإعدام أو السجن المؤبد. وبغض النظر عن صحة رأييهما حول الموضوع، فإنني أرى - من خلال نظرتي التحليلية لهذه القصة - أن الرأسمالي كان مغتراً بماله وثروته، وأن المحامي كان مغتراً ببعض قراءاته واطلاعه وشهادته، فتعالى كلٌّ منهما على الآخر. فارتكن التاجر إلى ثروته، وارتكن الشاب إلى ثقافته وعزمه وعناد الشباب.

فتراهن التاجر مع المحامي على أن يحتمل المحامي الحبس لمدة خمسة عشر عاماً في منزل التاجر، فإن احتمل المدة دفع له التاجر مبلغ مليوني روبل. وتم الرهان، وانقضت المدة.

والأهم من ذلك كله: مَن الفائز ومَن الخاسر؟

خلال فترة الخمسة عشر عاماً قضى المحامي هذه الفترة بين القراءة والكتابة والفكر والتأمل، ومن أهم ما حصل له سماعه لصوت جديد، قد يكون مختلفاً، وهو الصوت الداخلي الذي قد لا يسمعه الإنسان ولا يدركه مع ضجيج الحياة وتسارعها. فأعاد الشاب ترتيب أفكاره وأوراقه وأولوياته وغاياته في الحياة، وعلى رأسها غايته من حبسه الاختياري ومعنى الانتصار إن انقضت المدة.

فهل يكون الانتصار بنيل المبلغ وتحقيق صحة رأيه في مواجهة التاجر، وهي صحة قد تكون نسبية لا مطلقة؟ أم أن الغاية من الحياة ومعناها أبعد من ذلك بكثير؟

أما التاجر، فكلما مرت الأيام وتوالت السنون غزاه الخوف، وتعلّق بالمال أكثر، وظنّ بالشاب الطمع والجشع، بينما كان الشاب يبتعد يوماً بعد يوم عن الجشع والطمع في المال، الذي لم يكن منذ بداية الأمر غايته ولا هدفه ولا مبتغاه، وإن كان قد خطر له يوماً، فلم يكن إلّا رغبة شاب عابرة غير متأصّلة في طبعه.

إنّ الانعزال الاختياري قد يساعد الإنسان على مراجعة أفكاره ومعتقداته ونظرته تجاه الأمور المادية، ومعناها، حتى يصل تدريجياً إلى نظرة أعمق للأمور، فيتعلم ربط القلب وإحساسه بالعقل والتفكير، ثم اتخاذ القرار فالتصرف، للوصول إلى درجة من درجات الكمال البشري التي تجعله يرى الأشياء على حقيقتها الدنيوية والمقصد منها، وصولاً إلى الغاية الأسمى من وجودها في الحياة.

وقبل نزول الوحي على النبي محمد، صلى الله عليه وسلم، كان يعتزل في الغار الليالي ذوات العدد، يقضيها في التأمل والتفكر والتعبد. فكشف الله تعالى له غاية الحياة وأبعاد الوجود وعظمة الله عز وجل، ومادية الأشياء ومعنوياتها. فلما جاءه الوحي كان قلبه معلقاً بالله، وبالغاية من الحياة، وبالتعامل مع الناس على نية دعوتهم إلى الله والصبر عليهم؛ لأنهم لم يعرفوا ما عرف من سر الوجود والحياة والبعث والاختبار الدقيق المحجوب.

فلما عرضت عليه الأموال والسيادة ما فكّر ولا تأنّى ولا تردّد في أن يتركَ هذا الدين أو يهلكَ دونه. ولم يكن الأمر تسامياً على المال، وإنما لأنه عرف أن المقصود هو الله، وأن الأمر لا يحتاج إلى نقاش ولا جدل؛ فالنقاش بالفاني فانٍ.

تحتاج الحياة من الإنسان إلى عزلة مختارة، ومراجعة لمستجداتها وما طرأ عليها من تغيرات وأحوال، ودخول أمور وخروج أخرى، وترتيب الأولويات، والنظر في حقيقة هذه الأمور المادية والمعنوية من شهادة ومال ونسب ورأي يدعو إلى التمسك والمراهنة عليه.

وكلنا قد نراهن على أشياء لو عرفنا حق قدرها، وحق قدر تفكيرنا فيها، لما راهنا عليها أصلاً، ولا شغلنا أنفسنا بها؛ لأنها قابلة لأن يتغير رأينا فيها بعد لحظات، وذلك دليل على انتفاء قيمتها الحقيقية.