الإقطاعية الحديثة... لقد استبدلنا السلاسل بكلمات مرور

تصغير
تكبير

في عام 1095، كان الفلاح الأوروبي يعرف تماماً من هو سيده.

كان يعيش على أرض يملكها الإقطاعي، ويدفع له ما يطلبه، ويعمل حيث يريد، ويذهب إلى الحرب إذا أمره بذلك.

كانت العلاقة واضحة، بل فجة إلى حد الوقاحة.

أما في عام 2026 فالوضع أكثر رقيّاً... أو هكذا نعتقد.

اليوم، لا أحد يطلب منك أن تعمل في أرضه. بل يطلب منك أن تنشئ حساباً لديه.

لا أحد يجبرك على دفع العشور. بل يجعلك تضغط على زر «أوافق على الشروط والأحكام».

ولا أحد يسوقك إلى الإقطاع بالسوط، بل بالتنبيهات والإشعارات والعروض المخصصة لك بعناية.

***

في عام 1994، ترك شاب أميركي وظيفة مريحة في وول ستريت، وقرّر بيع الكتب عبر الإنترنت من مرآب صغير.

اسمه جيف بيزوس.

ذلك المرآب أصبح لاحقاً شركة اسمها أمازون.

في عام 1997، دخلت الشركة سوق الأسهم.

وفي عام 2026، تجاوزت قيمتها السوقية تريليونات الدولارات.

أما بيزوس، نفسه فتنقلت ثروته خلال السنوات الأخيرة بين 150 و250 مليار دولار بحسب حركة الأسواق.

رقم يصعب على العقل البشري استيعابه.

دعنا نبسطه.

لو أن إنساناً امتلك مليار دولار فقط، وأنفق مليون دولار يومياً دون توقف، فسيحتاج إلى نحو ثلاث سنوات لينفقها كلها.

أما مئتا مليار دولار فتعني أكثر من خمسة قرون من الإنفاق بمليون دولار يومياً.

خمسة قرون.

منذ سقوط الأندلس تقريباً وحتى يومنا هذا.

وفي عام 1995، أسس شابان موقعاً بسيطاً للبحث في شبكة الإنترنت.

أحدهما اسمه لاري بايج.

والآخر سيرغي برين.

تحول المشروع لاحقاً إلى «غوغل».

اليوم يعرف «غوغل» ما نبحث عنه، وماذا نقرأ، وإلى أين نذهب، وما الذي يقلقنا قبل النوم.

في العصور القديمة كان الإقطاعي يعرف عدد الأبقار التي يملكها الفلاح.

أما الآن فهناك شركات تعرف عدد ساعات نومك، ونوعية الموسيقى التي تسمعها، واحتمال أن تشتري حذاءً جديداً خلال الشهر المقبل.

أي النظامين أكثر معرفة بالإنسان؟

ثم جاء إيلون ماسك.

في عام 1999، باع شركته الأولى.

وفي عام 2002 أسس شركة الفضاء الخاصة التي عُرفت لاحقاً باسم SpaceX.

ثم دخل عالم السيارات الكهربائية عبر تسلا.

ثم الأقمار الاصطناعية، ثم الذكاء الاصطناعي،

ثم منصات التواصل الاجتماعي.

وفي عام 2026، ما زال يتصدر قوائم أثرياء العالم بثروة تتجاوز في فترات كثيرة 300 مليار دولار.

رقم يفوق الناتج المحلي لبعض الدول.

وليس هذا هو السؤال.

السؤال الحقيقي:

كيف أصبح شخص واحد يمتلك قدرة على التأثير في الفضاء والاتصالات والإعلام والذكاء الاصطناعي وأسواق المال في الوقت ذاته؟

هل نحن أمام رجل أعمال استثنائي؟

أم أمام نسخة حديثة من كبار الإقطاعيين؟

قد يقول قائل: لكنهم لم يسرقوا أحداً.

صحيح.

لم يأت أحدهم إلى بيتك ويصادر أرضك.

بل فعل شيئاً أكثر ذكاء.

جعلك تدخل أرضه بإرادتك.

تحمل هاتفاً يعمل على أنظمته.

وتبحث عبر منصاته.

وتتسوق من متاجره.

وتتواصل عبر شبكاته.

وتحفظ ملفاتك في خوادمه.

ثم تعود إلى المنزل مقتنعاً أنك مستقل تماماً.

المفارقة المضحكة أن الإنسان الحديث يهاجم الإقطاعيين الذين عاشوا قبل ألف عام، بينما يقضي يومه كله داخل إقطاعيات رقمية جديدة.

إقطاعيات لا ترفع رايات فوق القلاع.

بل شعارات فوق التطبيقات.

ولا تفرض الضرائب بالقوة.

بل تستخرج البيانات.

ثم تبيعها لمن يعرف كيف يحولها إلى نفوذ.

لا أدعو هنا إلى كراهية النجاح.

ولا إلى معاداة الرأسمالية.

ولا إلى مصادرة الثروة.

بل إلى طرح سؤال مزعج فقط.

عندما تمتلك قلة من البشر ثروات تفوق ميزانيات دول، وتتحكم في منصات يتجاوز مستخدموها عدد سكان القارات، فمن الذي يحكم العالم فعلاً؟

الحكومات؟

أم الأسواق؟

أم الخوارزميات؟

أم أولئك الذين يكتبون الخوارزميات؟

إذاً، المشكلة ليست في إيلون ماسك.

ولا في جيف بيزوس.

ولا في غيرهما.

ربما المشكلة فينا نحن.

نحن الذين سلمنا الراحة مقابل الاستقلال.

والسرعة مقابل الخصوصية.

والترفيه مقابل الانتباه.

ثم جلسنا نتساءل كيف أصبح النفوذ مركّزاً في أيدٍ قليلة.

لذلك لا أملك خاتمة لهذا المقال.

لأنني لا أملك جواباً.

كل ما أملكه هو سؤال أضعه أمام القارئ:

إذا كانت الإقطاعية القديمة قامت على امتلاك الأرض، والإقطاعية الحديثة قامت على امتلاك البيانات والعقول والوقت...

فهل ما زلنا أحراراً؟

أم أننا مجرد فلاحين رقميين لم ننتبه بعد إلى أن القلعة انتقلت من فوق التل... إلى داخل جيوبنا؟

X: jzabandr

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي