عندما تضع الحرب أوزارها، وتصمت منصات الإطلاق والدفاع، وينقشع غبار المسيرات الطاحنة عن هزيمة مدوية لمشروع النظام الإيراني وأذرعه في المنطقة، لا تظنوا يا سادة أننا سنلتقط أنفاسنا ونستريح!
الحقيقة القاسية أن المعركة العسكرية قد تنتهي، لكن معركة «الوعي» ستكون قد بدأت للتو... فخلف هذا الركام الهائل من الشعارات والمدن المدمرة، ستنهض من تحت الأنقاض ظاهرتان خطيرتان، كالوحشين الكاسرين، لتفترسا ما تبقى من عقولنا وأرواحنا.
وهاتان الظاهرتان ليستا وليدتي المصادفة، بل هما رد فعل حتمي وطبيعي لقانون «الفيزياء السياسية والنفسية»... لكل فعل عنيف، رد فعل مساوٍ له في الخيبة، ومضاد له في الاتجاه.
الظاهرة الأولى عزيزي القارئ هي طوفان «الإلحاد» وفواتير الأوهام، فالتاريخ يخبرنا، لمن يكلف نفسه عناء القراءة، أن كل نكسة عسكرية كبرى يسبقها شحن ديني مفرط، تتبعها موجة إلحاد عاتية... حدث هذا بعد سقوط الأندلس، وحدث بعد نكسة حزيران، وحدث بعد سقوط بغداد وبعد الربيع العربي، وحدث بعد هزيمة داعش... وسيحدث حتماً بعد انقشاع غبار هذه المرحلة.
الشباب الذين سُمرت أعينهم على الشاشات، وتابعوا المثقفين العرب والأعاجم وهم يبشرون بالنصر الإلهي قاب قوسين أو أدنى، وتُليت عليهم النبوءات، وبُشروا بأن الملائكة تقاتل في الصفوف، سيستيقظون على واقع كارثي... سيجدون أنفسهم أمام جثث متفحمة، ومدن سويت بالأرض، وقادة يبررون الهزيمة بأنها «ابتلاء لتمحيص الصفوف» أو «نصر إستراتيجي مؤجل».
هنا، تحدث الصدمة. العقل البشري المقهور، حين يكتشف أن الخطاب الديني تم اختطافه لترويج أوهام سياسية، لا يكفر بالسياسي الفاشل، ولكنه للأسف الشديد يكفر بالمنظومة كلها.
الإلحاد هنا لن يكون ترفاً فكرياً وبحثاً فلسفياً في أروقة الجامعات أو بين مجموعة مثقفين عانوا من غياب الأب، ولكنه سيكون «إلحاداً انتقامياً»؛ صرخة غضب في وجه رجال الدين الذين باعوا تذاكر الوهم للناس ثم قفزوا إلى قوارب النجاة في أوروبا.
لذلك، على دعاة الدين الحقيقيين، الصادقين، أن يخرجوا من عباءة «الخطابة الحماسية»، وأن يستعدوا لأسئلة الشباب القاسية... وأن يتوقفوا عن استدعاء المعجزات في ساحات المعارك الحديثة، وأن يبدأوا بتأسيس خطاب ديني يحترم سنن الله في الكون؛ السنن التي تقول إن الله وضع شروطاً للنصر في كتابه المعجز.
أما الظاهرة الثانية التي ستضرب مجتمعاتنا، فهي الاندفاع نحو التطبيع مع الكيان الصهيوني، ليس اقتناعاً بالسلام والمحبة مع كيان مغتصب، بل «نكاية» في الفاشلين الذين احتكروا القضية.
المواطن العربي، الذي شاهد المتاجرة الرخيصة بدماء الأبرياء، والذي رأى كيف تم تحويل القضية الفلسطينية إلى ورقة ضغط سياسي ومزاد علني في خطابات قادة «حماس» سابقاً و«حسب الله» حالياً... و«كتائب القسام» وحلفائهم في المحور الإيراني؛ هذا المواطن سيصاب بـ «غثيان سياسي».
حين يرى الناس أن من ادعوا حراسة القضية قد أوردوا شعوبهم المهالك، وأن بعض الشعوب العربية انساقت خلف العاطفة العمياء دون عقلانية، سيتولد تيار يقول: «إذا كان هؤلاء هم حماة فلسطين، فنحن نبرأ منهم ومن قضيتهم».
التطبيع المقبل سيكون نوعاً من «الهروب إلى الأمام» وكيّ الوعي... وهنا يأتي دور الصادقين والأحرار في وجوب الوقوف ضد هذه الظاهرة... يجب أن نستعد لانتزاع ملف فلسطين من أيدي المتاجرين والمقامرين والفاشلين... الدفاع عن فلسطين يجب أن يعود إلى مربعه الأول: قضية إنسانية، وجودية، عادلة، لا شيكاً مفتوحاً تصرفه طهران أو غيرها في مفاوضاتها، ولا منصة لتلميع قادة الفصائل والميليشيات... علينا أن ندافع عن فلسطين لأننا نرفض الظلم، دون أن نرتهن لمن اختطفوا اسمها.
عزيزي القارئ، قد يبدو الإلحاد والتطبيع مسارين منفصلين، الأول ديني والثاني سياسي، لكنهما في العمق وجهان لعملة واحدة... تماماً كما ندرك، نحن الذين لم تفقدنا الأحداث بوصلتنا، أن النظام الإيراني والكيان الصهيوني هما وجهان لعملة واحدة؛ كلاهما مشروع استيطاني توسعي، يقتات على تفتيت المنطقة، ويعيش على صناعة الخوف، ويغذي كل منهما تطرف الآخر لضمان بقائه.
كذلك الإلحاد والتطبيع؛ هما نتيجتان متطابقتان لحالة «اليأس العميق».
الإلحاد هو استسلام الروح وهرباً من صدمة الواقع، والتطبيع هو استسلام الإرادة وتخليها عن بوصلة الأرض هرباً من فشل «المقاومين».
كلاهما يعبر عن حالة «انتحار قِيَمي»؛ الأول يقتل إيمانك، والثاني يقتل إيمانك بعدالة قضيتك الإنسانية.
أيها المؤمن...!
نحن مقبلون على أيام عجاف، لن يكون فيها الخطر آتياً من الطائرات المسيرة أو الصواريخ البالستية، بل من الانهيار لمنظومة القيم والإيمان والمبادئ.
النجاة لن تكون بالانعزال، ولا بالتباكي على أطلال الشعارات القديمة... النجاة تتطلب شجاعة استثنائية للوقوف في المنتصف، حيث نرفض أوهام تجار الدين دون أن نكفر، ونرفض فشل تجار القضية دون أن نتخلى عن فلسطين... وكل ما لم يُذكر فيه اسم الله... أبتر... وكل ما لا يُراد به وجه الله يضمحل.