نقطة على الحرف

الحرب... هي ما بعدها

تصغير
تكبير

‏مهما بلغت حدة التصعيد في الصراعات الدولية، فإن مساراتها غالباً ما تنتهي إلى طاولة المفاوضات، حيث تُعاد صياغة التوازنات وفق معادلة المصالح لا الشعارات. وفي هذا الإطار، فإن الحرب الأميركية الإسرائيلية - الإيرانية رغم تعقيداتها وتشابكاتها لن تكون استثناءً من هذه القاعدة، إذ تشير ملامحها الراهنة إلى مرحلة شد وجذب تمهيداً لتفاهمات قد تُنتج واقعاً جديداً يتدرج من العداء الحاد إلى أشكال مختلفة من الاحتواء، وربما التعاون المرحلي. فالسياسة، في جوهرها، لا تعرف ثباتاً في التحالفات، بل تحكمها براغماتية المصالح وتبدلات موازين القوى.

‏غير أن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في مآلات التفاوض الخارجي، بل في مدى جاهزية الجبهة الداخلية للتعامل مع تداعيات ما بعد الحرب. فالحرب بمفهومها التقليدي، لم تعد مقتصرة على المواجهة العسكرية، بل اتسعت لتشمل أبعاداً أكثر عمقاً وخطورة، تستهدف بنية الدول من الداخل. وقد أثبتت التجارب أن تماسك المجتمعات في أوقات الأزمات يشكل خط الدفاع الأول في مواجهة التحديات، وأن أولى أدوات الخصم هي تفكيك هذا التماسك عبر استهداف الوعي والهوية والثقة العامة.

‏ومن هذا المنطلق، تبرز مجموعة من المسارات الإستراتيجية التي لا غنى عنها:

‏أولاً: ترسيخ الولاء الوطني بوصفه قيمة عليا لا تقبل المساومة، خصوصاً في أوقات الشدائد. ويتطلب ذلك مشروعاً متكاملاً يبدأ من المؤسسات التربوية والاجتماعية، يهدف إلى بناء وعي وطني راسخ لدى الأجيال القادمة، قائم على الفهم لا التلقين، وعلى الانتماء الواعي لا الانجرار وراء ولاءات عابرة للحدود. فتعزيز الهوية الوطنية لم يعد خياراً بل ضرورة وجودية في مواجهة محاولات الاختراق الفكري والثقافي.

‏ثانياً: مكافحة الفساد باعتبارها معركة وجود لا تقل أهمية عن أي مواجهة خارجية. فاستشراء الفساد يقوض أسس الدولة ويضعف ثقة المواطن بمؤسساته. ومن هنا يصبح فرض سيادة القانون على الجميع دون استثناء وبمعايير موحدة حجر الزاوية في بناء دولة قوية قادرة على الصمود.

‏ثالثاً: ترسيخ مبدأ تكافؤ الفرص على أساس الكفاءة والاستحقاق. فالدول لا تُبنى بالولاءات الجزئية، بل بسواعد القادرين على الإنجاز وتحمل المسؤولية. وإعادة توزيع الفرص بشكل عادل تضمن استدامة العطاء وتجدد النخب لا الإبقاء على دائرة ضيقة من الأسماء يتم تدويرها بين الحين والآخر .

‏رابعاً: مواجهة خطاب الكراهية والعنصرية بوصفهما من أخطر التحديات التي تهدد وحدة المجتمعات. فهذه الخطابات لا تضعف النسيج الاجتماعي فحسب، بل تفتح المجال أمام الانقسام والتفكك، ما يجعل الدولة أكثر عرضة للاختراق. وعليه، فإن تعزيز ثقافة التسامح وقبول الآخر يشكل ركيزة أساسية في بناء مجتمع متماسك.

‏إن مرحلة ما بعد الحرب لا تُقاس فقط بنتائجها السياسية، بل بقدرة الدول على إعادة ترتيب أولوياتها الداخلية وتعزيز مناعتها المجتمعية. فالدول التي تنتصر في الداخل، قادرة على فرض موقعها في الخارج، أما تلك التي تتآكل من الداخل، فلن تنقذها أي تسويات سياسية.

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي