لقد طالت هذه الحرب الشعواء، واختلطت فيها الأوراق، وكثر فيها القيل والقال، وبناءً عليه تخندق المثقفون العرب على ثلاثِ جبهات.
جبهةٌ تصفق للعدو الصهيوني، وأخرى تصفق لإيران الباغية، والثالثة اصطفت حول شرعيتها.
وهنا علينا أن نشخص العقلية الثقافية، وكما هو معلوم فإن العقل هو جوهرة الفكر، والإنسان ينقسم إلى طبقتين فكريتين.
الفكر الأول هو فكر «الحر»، والثاني فكر «المقيد»، ولكلٍ منهما طريقةٌ مختلفة في التفكير والتحليل.
فالأول هو العقل الحر، الذي يسود ولا يساد، عقل يطمح للنصر، والتنمية والازدهار، عقل قادر على النقد والتحليل، وتحديد المصالح والمخاطر.
هذه النوعية من العقول تجدها دوماً مقبلة على الحياة، تجعل من مصالحها أهدافاً ساميةً، وتعتبر شعوبها مصدراً لقوتها وفخرها، فتراها تبدي مصالحها على مصالح العدو، وتطمح للتوسع في الاتحاد... لا بالاحتلال.
ودماء الناس وإن اختلفت طوائفهم عنده غالية، وأرواحهم عزيزة، تسعى لحفظها وتنميتها.
كما أنهم يعيبون التواضع المذموم، ويحتقرون الكذب والجبن، لأنهم دائماً يطمحون بالعلو والكمال والتفوق.
هذه العقلية الحرة تدعو إلى التقدم والإصلاح المستدام، قادرة على التفريق بين الجيد والرديء، تدعو إلى الحوار وترفض الإقصاء، كلامهم صريح وبعض الأحيان مر، وهذه المرارة تصدر عن حب لا عن حقد.
هذه العقلية تهدف للبناء عبر التشخيص والتخطيط، فهي عقول نقدية مؤمنة بقوة أوطانها وإن صغر حجمها.
أما الفكر الثاني فهو فكر «المقيد» الذي انقسم في هذه الحرب على جبهتين، الجبهة الأولى مع المتصهينين، والثانية مع المتعجمين.
هؤلاء وجهان لعملة واحدة، ففي النهاية كلاهما يصفق لسفاحين أراقوا الكثير من الدماء.
ويرجع السبب الذي أتلف عقولهم؛ أنهم غذوها بقيم مريضة، فتراهم يضخمون قوة عشيقهم السفاح، بل ويقدمون مصالحه على مصالح أوطانهم، وضخموا من قوته، وغضوا الطرف عن نقاط ضعفه.
كما أنهم يجيدون التحريف والتحوير، فجعلوا من «العجز» إحساناً وطيبةً، ويعدون «الصمت» عن الحق «صبراً» لهذا جعلوه من أمهات الفضائل.
وحولوا عجزهم لإدراك المطامع السامية والمطالب العالية إلى «تواضع»، ويسمون حاجتهم إلى الآخرين وعجزهم عن الاعتماد على أنفسهم «رحمة».
إنهم يكذبون، لأنهم يعجزون عن المصارحة، بل ويصرخون بوجه من آلمهم بصراحته.
هؤلاء يستخدمون وسائل خبيثة؛ فهم يخنقون كل العواطف الحيوية حتى لا تنهض الأمة وتمرض، ويشغلون الناس بالتفاهات المغرضة حتى تحتكر انتباه الجماهير وتصرفهم عن التفكير في التفاهة نفسها، وأخيراً إثارة أكبر قدر ممكن من الانفعالات الحادة، التي تؤجج الناس فتبتلعهم وتجرفهم في تيارها لتغرقها في بحر الاشمئزاز واليأس والقلق، فهي تزيد أمراض الأمة ولا تعالجها.
وهكذا تجدهم يهدرون القيم النبيلة، ويضعون مكانها قيم الضعف والذل والخنوع، ألا تراهم دائماً يطالبون بالاستسلام والخضوع؟ ومن هنا نرى أن العقول الحرة جعلت من حماية الأوطان عقيدة، ومن الاتحاد هدفاً، ومن التنمية غاية تبررها الوسائل الأخلاقية، وأن الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية.
وأما العقول المستعبدة، جعلت من العجز حجة، والزهد في الأوطان فضيلة، والاتحاد شرٌ يجلب الوبال، والتنمية بوابة للانحلال الأخلاقي، والاختلاف في الرأي مؤامرة كتمها فريضة.
نهاية المطاف لن تحمينا إيران، ولا كيان الاحتلال، ولا حتى الأميركان، فلن يحمي الحدود إلا أبناء الحدود.