الشعوب الحيّة تدرك أهمية العلم وقدرته على توسيع الإدراك؛ لذا تتبنّى ثقافة النقد والتحسين، وتتعامل مع واقعها باعتباره فرصةً للتطوير. أمّا الشعوب التي فقدت حيويتها، فإنها تهرب من النقد إلى السبّ والتدليس والخداع، وتتبع الشعارات، وكأن الضجيج يمكن أن يكون بديلاً عن الحقيقة، ومن هنا يبدأ الفرق الجوهري بين الأمم: أممٌ تعيش عصر النهضة، وأممٌ لاتزال عالقة في ما قبله.

لقد مرّ الإنسان بمراحل طويلة من التطور، كان فيها التقدم بطيئاً، وأحياناً شديد البطء؛ لكن التحوّل الحقيقي بدأ حين ظهرت العقلية الناقدة، عندما أعاد الإنسان النظر في مسلّماته، واستفاد من تجارب أمم سبقته، وهي تلك الأمم التي حققت لمواطنيها التقدم والرخاء والأمان.

ومنذ ذلك الحين، تسارعت حركة التاريخ؛ فتطورت العلوم، وازدهرت الصناعة، وتقدمت الزراعة، حتى وصل الإنسان إلى القمر، وربط العالم بشبكات جعلت الأرض قرية صغيرة، لم يكن هذا التقدم مصادفة، بل كان نتيجة مباشرة لحرية العقل، وقدرته على النقد والتحليل والتجربة، لكن هذه الحقيقة تغيب أحياناً عن بعض المجتمعات، حين تطغى ثقافة الغضب، وتعلو الشعارات، ويختلط النقد بالبذاءة، فيتحول النقاش من وسيلة للإصلاح إلى أداة للهدم. وهنا يبدأ التراجع، لا لأن الإمكانات غير موجودة، بل لأن العقل لم يُستخدم كما ينبغي.

العقلية التي نحتاجها اليوم هي عقلية ناقدة، نعم، لكنها أيضاً عادلة، تعتمد على المعلومات، وتبحث عن الحلول، وتؤدي دورها التنفيذي دون تردد؛ عقلية تؤمن بأن النقص جزء من طبيعة الحياة، فلا تغضب من وجود الخلل، بل تسعى إلى إصلاحه بأقل الأضرار؛ عقلية تحب الحرية، وتحترم الإنسان، وتؤمن أن الكرامة ليست شعاراً، بل ممارسة يومية.

غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في صياغة هذه المبادئ، بل في غرسها في نفوس الأجيال، في وقتٍ يمتلئ فيه المشهد من حولنا بالشعارات، واستغلال البسطاء، وتمكين سياسة الوهم، التي تجعل البعض يفقد أبسط عناصر الاحترام والكرامة، وهو لايزال يقتات على الخداع.

وفي الخليج العربي، المنطقة الأكثر قدرة على تحقيق حلم التنمية والتقدم، يتساءل الناس: كيف نربّي أبناءنا على تنمية مهارات النقد والتدقيق، وهم يرون حولهم هذا القدر من موجات التضليل؟ الإجابة ليست سهلة، لكنها تبدأ من مواجهة الواقع، لا الهروب منه؛ تبدأ من الإيمان بأن بناء العقلية الناقدة لا يمكن أن يتم دون بيئة تربوية حقيقية، تقوم على تعليم راقٍ، يستمد جذوره من ثقافتنا، ويغرس في أبنائنا احترام العلم، والابتعاد عن الجدل العقيم، هذه هي نقطة البداية... ومنها يبدأ كل شيء.

وفي منطقتنا اليوم، ومع الاعتداءات الإيرانية الآثمة على دول الخليج، تجلّت بوضوح صورة الخداع الذي عاشت فيه أمتنا طوال عقود، وما هذا الانجرار وراء الشعارات التي تبنّتها إيران وأعوانها إلا دليلٌ على حجم الوهم الذي تمّ تسويقه. فلم تعد هذه الاعتداءات مجرد أحداث سياسية عابرة، بل أصبحت هزّة كاشفة لذلك الزيف الذي حاول البعض ترسيخه في وعي الأمة.

وهنا يتأكد مرة أخرى أن قوة أي أمة لا تُقاس فقط بما تملكه من موارد، بل بما تملكه من وعي؛ فالمجتمع الذي يبني نفسه على النقد المسؤول والعمل الجاد يكون أقدر على مواجهة الأخطار، وأصعب على الاختراق. أمّا المجتمع الذي يستنزف طاقته في الشعارات على حساب التنمية، فإنه يضعف نفسه بيده.

وفي الكويت، وفي الخليج عموماً، يتنامى وعيٌ واضح بهذه الحقيقة، وقد كشفه هذا الاعتداء الغاشم؛ فلم تنطلِ على شعوبنا تلك الشعارات التي حاول البعض تمريرها، ونأمل أن يسود هذا الوعي في أمتنا العربية، لا سيما في تلك المدن التي دمّرتها الشعارات والوهم، وأصبح أطفالها يتغذّون على الخطاب بدل التعليم، وعلى الشعارات بدل الأمن والتنمية والحضارة.