ليس من السهل الرد على اسمٍ ارتبط بتأسيس فكرة خليجية كبيرة، ولا من الحكمة أيضاً تجاهل وزن التجربة حين تتكلم. لكن الأصعب من ذلك كله هو الصمت حين تتحول القراءة السياسية من تشخيصٍ للواقع إلى استعادةٍ لذكريات لا تلامس حرارة اللحظة.
ما طرحه السفير عبدالله بشارة، في مقاله الأخير يفتح باباً للنقاش، لا من باب الخصومة، بل من باب المسؤولية الفكرية أمام حدثٍ لم يعد يحتمل البرود التحليلي ولا الترف التاريخي.
أولاً: بين «الهدوء» وواقع النيران
الحديث عن التهدئة وضبط الإيقاع الإعلامي مفهوم في سياق إدارة الأزمات، لكنه يصبح إشكالياً حين يتقاطع مع وقائع ميدانية لا تقبل التأويل.
فحـــين تتعـــرض منشـــــآت حيــوية فــــــي الخليـــــج – بمـــــا فيها مرافق مدنيــــة – لاستهداف مباشر أو غير مباشــــر، وتصل الشظايا إلى البيوت، وتُزهـــــق الأرواح البريئة، فإننا لا نتحدث عن «إملاءات زمن» بل عن وقائع سيادية صلبة.
هنا يحضر قول كارل فون كلاوزفيتز:
«الحرب ليست عملاً مستقلاً، بل استمرار للسياسة بوسائل أخرى».
لكن السؤال الذي يفرض نفسه:
هل ما نشهده هو امتداد للسياسة... أم انهيار لقواعدها؟
ثانياً: الخلط بين الأزمنة... إرباك في التحليل
الانتقال من واقع صراع إقليمي معقّد إلى استدعاء سيرة محمد رضا بهلوي، ورفيقه أسد الله علم، بما تحمله من تفاصيل شخصية وتاريخية، لا يضيف تفسيراً بقدر ما يخلق تشويشاً.
ذلك لأن الثورة التي أطاحت بالشاه، عام الثورة الإيرانية 1979، لم تكن مجرد تغيير نظام، بل تحولاً جذرياً في البنية الفكرية والسياسية.
الانتقال من نظام ملكي براغماتي إلى نظام عقائدي ثوري أعاد تعريف أدوات النفوذ، وحدود الصراع، وطبيعة العلاقة مع الجوار.
وبالتالي، فإن إسقاط معايير مرحلة الشاه على سلوك الجمهورية الإسلامية اليوم هو اختزال مخلّ، لا يفسر السلوك الحالي بقدر ما يهرب منه.
ثالثاً: بين الواقعية السياسية وحدود التبرير
الواقعية تقتضي فهم دوافع الأطراف، نعم.
لكنها لا تعني تمييع الفعل أو تبريره ضمنياً.
حين يُطرح أن «من الطبيعي أن ترد إيران»، فإن هذا الطرح يحتاج إلى تفكيك دقيق:
هل الرد يكون عبر استهداف مسارات الطاقة؟
أم عبر تعريض دولٍ لم تكن طرفاً مباشراً لمخاطر أمنية؟
هنا يمكن استحضار مقولة هنري كيسنجر:
«الشرعية في النظام الدولي لا تقوم فقط على القوة، بل على كيفية استخدامها».
والفرق كبير بين فعل إستراتيجي محسوب وفعل يفتح أبواب الفوضى الإقليمية.
رابعاً: الخليج... من التنسيق إلى الضرورة
منذ تأسيس مجلس التعاون لدول الخليج العربية عام 1981، ظل مفهوم «التنسيق» هو الإطار الحاكم.
لكن الأزمات الكبرى تاريخياً هي التي تدفع الكيانات الإقليمية للانتقال من التنسيق إلى التكامل الضروري.
اليوم، لم تعد المسألة خياراً سياسياً، بل تحولاً وجودياً تفرضه معادلات الأمن والطاقة معاً.
فالخليج لم يعد فقط منطقة جغرافية، بل عقدة حيوية في الاقتصاد العالمي، وأي اضطراب فيه ينعكس فوراً على الأسواق الدولية.
خامساً: بين رمزية التجربة وحدودها...
التجربة تُحترم، لكن لا تُقدّس.
والخبرة تُستأنس بها، لكن لا تُستدعى خارج سياقها.
حين يُقال إن صاحب المقال خارج المشهد منذ أكثر من ثلاثين عاماً، فهذه ليست إدانة، بل حقيقة زمنية.
فالسياسة – كما قال توماس هوبز – «فن التعامل مع واقع متغير لا مع ذاكرة ثابتة».
وأخيراً: ما بين الذاكرة والدم
لسنا أمام خلافٍ في وجهات النظر، بل أمام فجوة بين إيقاع التحليل وإيقاع الحدث.
ففي الوقت الذي تُكتب فيه المقالات بلغة هادئة، هناك واقع يُكتب بلغة أخرى... لغة الشظايا التي لا تقرأ التاريخ، بل تصنعه.
والخليـــج اليوم لا يحتاج إلــــى استدعـــــاء الماضـــي بقـــــدر ما يحتاج إلـــى قراءة الحاضـــــر بجــــرأة، وإلـــى خطابٍ يدرك أن الأمن لم يعد احتمالاً... بل معادلة تُفرض كل يوم.
وبين ذاكرةٍ تُحترم وواقعٍ يُفرض...
تبقى الحقيقة الأوضح:
أن الدول لا تُقاس بما تعرفه، بل بما تفعل حين تُختبر.
X:jzabandr