اقرأ ما يلي...

أب يهلوس

تصغير
تكبير

في يومٍ ما، رأيتُ القلق واضحاً على زميلي. كانت عيناه تنظران إلى مكانٍ لا أحد يعرف ما هو وأين، لكن من المؤكد أن ذلك المكان لم يكن آمناً. قال، ولا تزال عيناه معلّقتين في الهواء: ماذا سيحدث لأبنائي عندما أموت؟ سيضيعون بالتأكيد فأجبته: الله موجود يا (سوبرمان)، وربما سيصبحون أكثر استقراراً بعد أن يرثوك. رد: أنا لا أثق بالزمان الذي نعيشه ولا بالناس الموجودين. فقلتُ، بسخرية لم أستطع كبحها: كنتُ سأتأثر لو كان الأب الذي يتحدث يقضي يومه كاملاً بين أبنائه ويرعاهم، لكن حياتك معلّقة بالسفر والترحال.

فكرة أن ترسل لهم كل يوم عشرة دنانير لا تعني أنك أصبحت أباً مثالياً، وانقطاع هذه العشرة بعد وفاتك لن يرميهم في الشارع.

ربما كنتُ قاسية، لكن بعض الناس يحتاجون صراحةً مؤلمة كي يفيقوا من وهمهم؛ كأن الشمس ستشرق من الغرب، أو أن العالم سينهار فجأة، وتندلع الحروب في كل القارات، وتمطر السماء ناراً، ويعمّ الفقر الأرض. بينما واقعه يقول ببساطة: أنا غير موجود فعلياً في حياة أبنائي ولسانه يصرّ على: لن يستطيع أبنائي العيش من دوني هناك انفصال واضح بين الصورتين. كما أن بعض الآباء لا يعون أن التربية ليست «تقديم المصروف»، بل هي شيء أعمق بكثير من هذه الصورة السطحية الهشة.

يعيش هذا الرجل شخصيتين في جسدٍ واحد: شخصية داخلية تقول: أنا رب الأسرة وعمود البيت، وشخصية أخرى تقضي وقتها خارج المنزل، ولا تعود إليه إلّا للنوم. هذا التناقض هو ما ولّد التوتر الداخلي، والقلق المستمر من فكرة أن حياة الأبناء ستتدمر بعد وفاته. وربما، في أعماقه، يختبئ شعورٌ بالذنب بسبب إهماله لهم، لكن المشكلة أن المال ليس علاجاً لتأنيب الضمير. لا أستطيع التشكيك بعاطفته، فهو يحب أبناءه لكنه يربيهم بظنونه، لا بحضوره. وأعتقد أن خوفه الحقيقي، الذي لا يجرؤ على الاعتراف به، ليس ضياعهم بعد موته، بل أن يعيشوا بشكلٍ طبيعي من دونه. وهذا هو الطبيعي أصلاً. فالطفل اليتيم يعيش والأبناء الذين فقدوا والديهم في الحروب يكبرون، والحياة مهما فقدت، تستمر.

نعم، وجود الأب والأم مهم جداً، لكن غيابهما لا يعني انتهاء الحياة. فالله هو الحافظ والرزاق وهو الذي يتكفّل بكل إنسانٍ وحيوانٍ ونبات.

قد يصبح أحد أبناء هذا الرجل أغنى منه ويعيش أفضل من الحياة التي كان يرسمها له والده.

فلِمَ كل هذا الخوف المُبالغ فيه؟

لقد ماتت شخصيات عظيمة خلّدها التاريخ، واستمرت الحياة. بلايين من البشر رحلوا، ونسيهم العالم، وسنُنسى نحن أيضاً.

فلِمَ القلق على من سيعيش بعدنا؟

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي