البدء في شن الحروب شيء ووقفها شيء آخر، وتلك النقطة يعرفها الكثير من المتخصصين في الخطط الإستراتيجية، وهذا الأمر الذي ينطبق على الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة والكيان الصهيوني من جهة وإيران من جهة أخرى، ومازلنا نعيش تفاصيلها المدمرة.

وإذا عدنا إلى التاريخ فإن المهلهل بن ربيعة، لم يكن يتوقع أن حرب البسوس عندما بدأت سوف تستمر إلى أربعة عقود من الزمن، وأنها سوف تأخذ فضاء يغطي آمال وآلام جيل كامل من القبيلة، وكذلك أدولف هتلر، لم يكن يتوقع أن الحرب العالمية الثانية سوف تستمر أربعة أعوام وأنها تركت مآسي كبيرة في ذاكرة الإنسان الأوروبي.

وقد تعرضت دول مجلس التعاون الخليجي إلى الكثير من القصف الصاروخي أو من قبل المسيرات التي كانت أهدافها الكثير من الأماكن الحيوية مثل المطارات ومحطات الكهرباء ومحطات تحلية المياه وبعض الأماكن السكنية، خاصة أن طفلة ايرانية توفيت في منطقة القادسية بسبب القصف الإيراني لتلك المنطقة التي ليس بها أي مكان عسكري البتة!.

وعندما بدأت أميركا والكيان الصهيوني على ايران الحرب كان قرارهما مع حسبة إستراتيجية من قبل مؤسسات عسكرية استخباراتية لم تكن موفقة، خاصة الموساد بالكيان الصهيوني كونه قدم حسبة إستراتيجية وقراءة مستقبلية غير دقيقة، وهي ليست الأولى من نوعها إلا أنهما توقعا ان الحرب سوف تنتهي خلال فترة قصيرة جداً وان الشعب الايراني سوف يثور بوجه السلطة القائمة وهو ما لم يحدث، فكانت حسبة إستراتيجية تفتقد للذكاء اليهودي المسيحي!.

نعم، بدأت أميركا مع الكيان الصهيوني الحرب بقرار لكنها لا تستطيع ان تقرر متى تتوقف تلك الحرب لأسباب كثيرة منها طبيعة ردة الفعل الإيراني حيث إن إيران قصفت دول مجلس التعاون الخليجي بصواريخ وبمسيرات أكثر من التي قصفت بها الكيان الإسرائيلي!.

نعم، لم يكن يتوقع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ان يطول عمر تلك الحرب فلجأ إلى الاستعراضات التلفزيونية وهو خبير بتلك الأمور عبر بث الكثير من التصريحات المتناقضة وسط بيئة غير صحية للحرب، كون النخبة العسكرية تقرر الخطط الهجومية أي أن القائد السياسي يقرر الحرب بيد أن القائد العسكري ينفذها، وبالتالي تم اتخاذ قرار الحرب بتشجيع وإغواء ودفع من قبل الكيان الصهيوني، أي أن الولايات المتحدة الأميركية «توهقت» خاصة أن الدول الأوروبية رفضت المشاركة في تلك الحرب وفي مقدمتها فرنسا التي رفضت استخدام القوة لفتح مضيق هرمز، علماً بأن فرنسا دائماً تقود المعارضة ضد أميركا في أروقة حلف الناتو مما دفع ترامب أن يسيء إلى الرئيس الفرنسي ماكرون، حين تناول طبيعة علاقته مع زوجته، الأمر الذي أثار حفيظة الرئيس الفرنسي الذي رد عليه بأنه وقح كونه تلفظ بكلام غير محترم.

نعم، «توهق» ترامب، لانه سار في مسار الحرب مجبراً أو باختياره ليجد نفسه أمام تحديات لا له قبل بها وان كانت مسارات الحرب على الورق تشير إلى ان النصر سيتحقق خلال أيام قليلة، ولكن هذا ليس مدعاة لقصف إيران الأماكن المدنية والحيوية في الكويت وبدول مجلس التعاون الخليجي.

نعم «توهق» ترامب وفريق عمله السياسي مما دفع بالقيادات العسكرية إلى رفض الكثير من الأمور التي أدت إلى إقالة الكثير من الضباط الكبار أثناء الحرب، الأمر الذي يعكس الوضع القائم.

ومازالت إيران تتوعد بعد إغلاق مضيق هرمز بأنها سوف تأمر ولا أقول تطلب من الحوثيين أن يقوموا بعرقلة أو إغلاق باب المندب، مما يزيد الأمر تعقيداً لأنهم قادرون على إحداث الضرر في موانئ البحر الأحمر وقناة السويس، الأمر الذي دفع مصر للتحرك دبلوماسياً، ناهيك عن زيادة كبيرة فرضت على تكاليف النقل البحري وكذلك التأمين التي إن لم يتم حل الإشكالية فإنها سوف تصل إلى أرقام صعب التعامل معها، وبالتالي فان شتاء العام المقبل سوف يكون كابوساً أوروبياً وعالمياً.

اعتقد بعض أهل السياسة في إيران في فترة سابقة أنها اصبحت صديقة لأميركا بعد ان ساعدتها في احتلال أفغانستان والعراق لكنها فوجئت بعودة ترامب «اللي عفس» حسبتها الإستراتيجية.

همسة:

دول الخليج مسالمة ولكن إيران لا تريد لهذا الخليج أن يحظى بالهدوء.