الحروب ليست مجرد مواجهات عسكرية عابرة، بل لها منطق وحسابات دقيقة. ومن بين أهم ما كُتب في تفسير أسباب اندلاعها، ما طرحه العالم Bruce Bueno de Mesquita في كتابه Trap War، حين تحدث عن فكرة «المنفعة المتوقعة من الحرب». وخلاصة هذه الفكرة ببساطة: عندما يشعر طرف ما بأنه قد يخسر، فإنه يسعى لتغيير قواعد اللعبة، وغالباً عبر إدخال أطراف جديدة في الصراع.

إذا نظرنا إلى ما يجري في المنطقة اليوم، سنجد أن هذه القاعدة تنطبق بشكل واضح. فإقحام دول الخليج في أي مواجهة لا يحدث صدفة، بل لأنه قد يُغيّر ميزان القوى ويُعقّد الحسابات.

بالنسبة لإيران، فإن توسيع دائرة الصراع لتشمل دول مجلس التعاون يعني نقل المواجهة من نطاقها الإقليمي إلى مستوى أوسع يمس الاقتصاد العالمي، من الطاقة إلى التجارة. وهذا من شأنه أن يخلق ضغوطاً على القوى الكبرى، ويدفعها للبحث عن تهدئة سريعة، وهو ما قد يُحسب، من زاوية إيرانية، كنوع من تحقيق المكاسب أو تقليل الخسائر، خاصة في ظل ما شهدته المنطقة من اعتداءات إيرانية على دول مجلس التعاون، والتي عمّقت حالة عدم الثقة وستُبقي على حالة علاقات التوتر لفترة طويلة.

في المقابل، ترى كل من الولايات المتحدة وإسرائيل أن إدخال دول الخليج في المعادلة قد يخفف عنهما كلفة المواجهة المباشرة. فبدل الانخراط الكامل، يمكن توزيع الأعباء سياسياً وعسكرياً واقتصادياً على دول الخليج. لكن هذا الخيار لم يكن سهلاً، لأن دول الخليج أظهرت منذ البداية رفضاً واضحاً لأن تكون ساحة صراع أو طرفاً فيه، ودعت إلى تجنبه.

ومع تغير التوازنات السياسية في واشنطن، خصوصاً في ظل عودة دونالد ترامب، إلى المشهد، وتلاقي بعض التوجهات مع سياسات نتنياهو، عادت فكرة إعادة ترتيب المنطقة إلى الواجهة. وهنا تظهر أهمية ما يُعرف بإضعاف «دوائر التأثير»، حيث يُنظر إلى دول الخليج كعنصر مؤثر في هذه المعادلة الإستراتيجية.

اقتصادياً، تمثل دول الخليج ثقلاً كبيراً، ليس فقط بسبب النفط، بل أيضاً بسبب صناديقها السيادية واستثماراتها العالمية وشبكة علاقاتها الدولية. لذلك، فإن إدخالها في أي صراع قد يؤدي إلى استنزاف جزء من هذه القوة ويستدعي تأثر دول كثيرة خارج النطاق الاقليمي، وهو ما يخدم حسابات أطراف النزاع.

ورغم كل هذه الحسابات، تدرك دول مجلس التعاون هذه المعادلة جيداً. ولهذا نراها تتبنى نهجاً قائماً على التهدئة والصبر الإستراتيجي، وليس الاندفاع. هذا الخيار لا يعكس ضعفاً، بل قراءة واعية لمخاطر الانجرار إلى حرب مفتوحة.

في المقابل، هناك دروس لا يمكن تجاهلها. من أبرزها أن أمن المنطقة لم يعد يعتمد فقط على التحالفات التقليدية، بل على القدرة الذاتية المواكبة لحداثة أجيال الحروب. وهذا يشمل حماية منشآت الطاقة، وتأمين مصادر المياه، وتطوير البنية التحتية، وفتح بدائل إستراتيجية للممرات الحيوية غير مضيق هرمز.

كما أن طبيعة الحروب نفسها تغيرت. لم تعد المواجهة فقط في الميدان، بل امتدت إلى الفضاء الإلكتروني، والذكاء الاصطناعي، والعمليات التي تُدار عن بُعد. وهذا يفرض على دول الخليج الاستثمار في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، وبناء كوادر قادرة على التعامل مع هذا النوع من التهديدات.

في النهاية، ستنتهي هذه الحرب عاجلاً أم آجلاً، لكن ما سيبقى هو ما يمس الأمن الإستراتيجي الشامل لدول مجلس التعاون. وربما تكون أهمها أن المنطقة بحاجة إلى رؤية خليجية موحدة، قادرة على حماية مصالحها، والتعامل بذكاء مع عالم تتغير فيه قواعد القوة وتتبدل به المصالح بشكل متسارع.

رحم الله شهداءنا، وحفظ الله الكويت وشعبها وقيادتها من كل سوء.