منذ تأسيس دولة الكويت كانت في بيئة قاسية قليلة الموارد، تعتمد على البحر أكثر من البر. لم تكن هناك أنهار ولا أراضٍ زراعية واسعة، لكن الموقع الإستراتيجي على الخليج منحها فرصة التحول إلى محطة تجارية مهمة، فاختار أهلها العمل في الغوص على اللؤلؤ والتجارة إلى الهند وبلدان كثيرة حول العالم، وبنوا اقتصاداً قائماً على المبادرة الفردية وروح المخاطرة والاعتماد على الذات.
وبحكم موقعها الإستراتيجي واجهت الكويت تحديات إقليمية مبكرة، شكلت تلك المواجهات اختباراً حقيقياً لقدرة المجتمع على التكاتف. وقد تجاوزت الكويت تلك المرحلة عبر تعزيز تحالفاتها الإقليمية وترسيخ الاعتراف بحدودها، ما مهّد لبناء دولة أكثر استقراراً في العقود التالية، وتاريخ الكويت لم يكن حافلاً بالورود دوماً، فهناك العديد من المصاعب التي مرّت بها وعلى مختلف العصور سواءً السياسية أو الاقتصادية أو الإنسانية، ولكنها السياسة الخارجية الحصيفة المتزنة والمتوازنة هي التي صنعت وأحدثت الفارق، وعبرت بالكويت إلى بر الأمان.
وفي الثلاثينات، تعرضت الكويت لصدمة اقتصادية قاسية بعد انتشار اللؤلؤ الصناعي الياباني، ما أدى إلى انهيار مصدر الدخل الرئيسي حيث عانت البلاد من ضائقة مالية شديدة، لكن هذه الأزمة تحولت إلى نقطة تحول تاريخية مع اكتشاف النفط عام 1938، لتبدأ مرحلة اقتصادية جديدة كلياً أعادت رسم ملامح الدولة.
ومع إعلان الاستقلال عام 1961، واجهت الكويت تحديات تتعلق بالاعتراف والسيادة. سارعت إلى تثبيت موقعها الدولي عبر الانضمام إلى جامعة الدول العربية والأمم المتحدة، كما أقرّت دستور 1962 الذي أسس لحياة برلمانية فاعلة. هذه الخطوات منحت الدولة مظلة قانونية وسياسية عززت استقرارها الداخلي والخارجي.
ووفر النفط موارد ضخمة مكّنت من بناء بنية تحتية متقدمة وخدمات تعليم وصحة مجانية الكويت والدول المجاورة لها، لكنه خلق في المقابل اعتماداً كبيراً على مورد واحد. تعاملت الكويت مع هذا التحدي بإنشاء جهاز استثماري مبكر هو الهيئة العامة للاستثمار لإدارة الفوائض وتنويع الاستثمارات عالمياً، ما وفر حماية مالية طويلة الأجل، وخلال سنوات شهد النفط الكثير من التذبذب مما شكل تحدياً كبيراً بسبب الاعتماد عليه ، ففي الفترة من عام 1948 وحتى نهاية الستينات كان سعر البرميل 3 دولارات، ثم ارتفع سعر النفط عام 1974 أربع مرات متجاوزاً 12 دولاراً للبرميل، ثم استقرت أسعار النفط العالمية خلال عام 1974 وحتى 1978 ما بين 12 دولاراً للبرميل و13 دولاراً، وبسبب الحرب العراقية - الإيرانية ارتفع سعر برميل النفط في عام 1978 إلى أكثر من 35 دولاراً للبرميل، وفي عام 1986 انهارت الأسعار إلى أقل من 10 دولارات للبرميل، وعام 1999 صعد سعر البرميل ليصل إلى 25 دولاراً للبرميل، وعام 2005 وصلت الأسعار إلى 78 دولاراً للبرميل، بعد ذلك شاهدنا الأسعار القياسية التي تجاوزت 100 دولار للبرميل، والآن قد يتجاوز الرقم بسبب الحرب.
ومن أخطر التحديات التي تجاوزتها الكويت ما حصل في 2 أغسطس 1990، تعرضت الكويت لغزو من قبل نظام صدام حسين، في أخطر أزمة بتاريخها الحديث. لكن وحدة الشعب في الداخل والخارج، وتشكيل تحالف دولي أديا إلى التحرير في فبراير 1991. الأهم من التحرير كان سرعة إعادة الإعمار واستعادة مؤسسات الدولة، ما أكد قوة البنية المؤسسية، وكان أخطر اختبار وطني.
وخلال أكثر من 300 عام، أثبتت الكويت أن صغر المساحة لا يعني صغر التأثير، وأن الأزمات يمكن أن تتحول إلى فرص. من قرية ساحلية صغيرة إلى دولة ذات حضور دولي، كانت المفاتيح الأساسية لتجاوز التحديات هي: وحدة المجتمع وقت الشدائد، مرونة القيادة، الانفتاح الدبلوماسي، والإدارة الحصيفة للموارد. وتبقى التجربة الكويتية مثالاً على أن الاستقرار ليس غياب الأزمات، بل القدرة الدائمة على التكيف معها وصناعة مستقبل أفضل.
ولا يخفى ما يحصل هذه الأيام على دولة الكويت من اعتداءات والمطلوب هو تعزيز الالتفاف الشعبي حول القيادة السياسية ممثلة بسمو الأمير وسمو ولي العهد، حفظهما الله ورعاهما. ومهم التجاوب مع التوجيهات الحكومية والالتزام بالتعليمات الرسمية وترك نشر الإشاعات وإثارة الهلع خاصة لدى الأطفال وكبار السن مهم تطمينهم. حفظ الله الكويت وشعبها من كل مكروه.