ما تتعرض له الكويت ودول الخليج في الأيام الأخيرة من اعتداءات إيرانية لا يمكن اختزاله في إطار "الانتقام من الولايات المتحدة” أو استهداف قواعدها العسكرية في المنطقة؛ فهذه القواعد — التي لم تنطلق منها عمليات مباشرة ضد إيران — لم تكن الهدف الرئيس، بينما طالت الهجمات مباني سكنية ومطارات ومنشآت مدنية، وهو ما يفتح الباب أمام قراءة مختلفة لطبيعة الرسائل المقصودة.

إن ما يجري يبدو اختباراً لقدرة دول الخليج على إدارة معادلة شديدة التعقيد بين الجغرافيا والتاريخ والسياسة، ولعلّه من أصعب الاختبارات التي تمر بها المنطقة منذ اندلاع الثورة الإيرانية عام 1979.

فمنذ أن تبنّت إيران مبدأ "تصدير الثورة”، دخلت المنطقة في مسار طويل من التوترات، وقد تداخلت في ذلك حسابات قوى دولية كبرى، رأت في استمرار حالة عدم الاستقرار أداة لإعادة تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط، ولا سيما في الخليج؛ هذه المنطقة التي تملك من الموارد المالية والطاقات البشرية المعتدلة ما يؤهلها لتجاوز عوائق التخلف وبناء نموذج تنموي متقدم.

ورغم موجات الفتن والاستقطابات التي رافقت التدخلات الإيرانية في عدد من الدول العربية، استطاعت دول الخليج أن تمضي في مشاريعها التنموية، مُحافظةً على قدر من الاستقرار مكّنها من ترسيخ حضورها الاقتصادي والسياسي. لم تنجح تلك التدخلات في تعطيل مسار التنمية، ولم يتحقق الهدف المتمثل في إنهاك التجربة الخليجية.

من هنا، يمكن فهم ما يجري اليوم بوصفه محاولة لجرّ دول الخليج إلى مواجهة عسكرية شاملة، تحت عناوين وشعارات متعددة؛ فاندلاع حرب إقليمية واسعة قد يمنح القيادة الإيرانية فرصة لإعادة ترتيب أوراقها داخلياً وخارجياً، أما إذا أدركت دول الخليج أبعاد المشهد، ووازنت بين ردّ الفعل ومآلاته، فقد تُفشل هذا المسار.

لقد قدمت تجارب سابقة في المنطقة دروساً قاسية حول كلفة الانجراف إلى صراعات طويلة، والرهان اليوم هو على الحكمة السياسية، وعلى قراءة المصالح بعين إستراتيجية لا عاطفية؛ فالتحدي الحقيقي أمام دول الخليج في اجتماعاتها وقراراتها هو تحقيق التوازن بين صيانة الكرامة الوطنية وحماية مستقبل التنمية.

إن صناعة الأحداث خير من الانجرار وراءها، والقرار الحكيم يتمثل بوزن كل خطوة بميزان الضرر والفائدة، ووضع نصب الأعين مستقبل الأجيال لا صخب اللحظة.

ويبقى الأمل أن تنتهي هذه المرحلة دون انزلاقٍ إلى مواجهة مفتوحة، وأن يستعيد الشعب الإيراني أولوياته التنموية بعيداً عن إسقاطات الماضي وصراعاته، وأن تنشأ فرصة جديدة للتعاون الإقليمي تقوم على المصالح المشتركة لا على الاستقطاب. عندها فقط يمكن لدول الخليج وإيران أن تسهما معاً في صناعة تاريخ مختلف للمنطقة، رغم تعقيدات المشهد الدولي وتقاطعاته.