في زحمة «الترند» وضجيج «المشاهير» الذين يشتهرون بلا شيء، وقفتُ بالأمس أمام الجرائد التي كنت أقرأ لكُتّابها منذ مراهقتي، وتحسستُ جيبي، فلم أجد قلمي... بل وجدتُ «يُتماً» قديماً يتجدّد.

نحن يا سادة، جيل «كتّاب الغفلة»، نشعر اليوم أننا أيتام حقيقيون، لا لأننا فقدنا آباءنا البيولوجيين، بل لأننا فقدنا «الآباء المؤسسين» للكلمة الكويتية الحرة... أولئك الذين لم يكتبوا بالحبر، بل بماء العيون وأعصاب القلوب.

أتذكرهم اليوم، لا لأبكي على الأطلال، فالصعاليك لا يبكون، بل «يتحلطمون» بوقار! أتذكرهم لأعرف حجمنا الحقيقي أمام قاماتهم التي كانت ناطحات سحاب قبل أن نبني الأسمنت.

ابتسامة «الربعي»... التي هزمتنا! كيف نبدأ دون أن نمر على «طائر الفينيق» الدكتور أحمد الربعي؟ ذلك الذي علمنا أن «الكويت مازالت جميلة... فتفاءلوا!»... رحل «أبوقتيبة» رحمه الله، في 2008، لكنه ترك لنا ابتسامة كانت أقوى من حالاتنا الكئيبة، وقلما كان يرقص على حبال السياسة دون أن يسقط في وحل الكراهية والعنصرية... كان يكتب وكأنه يغني، بينما نحن نكتب وكأننا نصرخ.

ثم نلتفت لجهة اليمين، حيث «ضمير الأمة» الدكتور أحمد الخطيب. الرجل الذي صاغ الدستور، وعالج السياسة قبل أن يعالج الأجساد... رحل في 2022، تاركاً لنا «إبرة الخطيب» التي لم تكن تخدر الألم، بل توقظ الوعي... كان مدرسة في أن تكون معارضاً شرساً، ومحباً لوطنك حتى النخاع في آن واحد، رجل لم تغره المناصب ولم تكسره الهزائم... رحمه الله ووسع له مدخله... اللهم آمين.

وكيف أكتب في جريدة «الراي» دون أن أقف إجلالاً لروح «العميد» عبدالعزيز المساعيد؟ الرجل الذي حمل لقب «عميد الصحافة الكويتية» عن استحقاق، مؤسس «الرأي العام» في 1961، الذي حوّل الصحافة من هواية إلى مؤسسة، ومن منشورات إلى سلطة رابعة مهابة... رحل في 2001، لكن صدى معاركه الانتخابية والصحافية لايزال يتردد في أروقة شارع الصحافة... أسأل الله أن يرحمه رحمة واسعة.

أما أستاذنا في «الصعلكة» الأدبية، سليمان الفهد، صاحب «شاهد على زمان الاحتلال»، فقد كان يكتب وكأنه يغمس ريشته في ملح جروحنا... رحل في 2013، بعد أن علمنا أن السخرية ليست تهريجاً، بل هي «قمة الألم»... كان يكتب عن «العبدلله» وعن البسطاء بلغة تشبه خبز التنور، ساخنة وطازجة وحقيقية وصادقة... أسال الله له الجنة.

«الله بالخير»... يا محمد مساعد الصالح، ولا تكتمل «اللمة» في ذاكرة الوجع دون محمد مساعد الصالح، صاحب العمود الأشهر «الله بالخير»... الرجل الذي كان يختصر أزماتنا السياسية المعقدة في سطرين وضحكة. رحل في 2010، وكان الوحيد القادر على أن يجعلك تبتسم وأنت تقرأ خبر سرقة المال العام! لقد كان مدرسة في «السهل الممتنع» الذي عجزنا جميعاً عن تقليده... أسأل الله له الجنة.

ولا ننسى عبدالله النيباري، الذي رحل عنا قريباً في 2022. الرجل الذي دفع ضريبة الدفاع عن المال العام من دمه، ونجا من الاغتيال ليعلمنا درساً في التسامح حين عفا عن قاتله. كان رمزاً للوطنية التي لا تساوم، وللنزاهة التي لا تُشترى.

قائمة الشرف تطول... وإلى إسماعيل فهد إسماعيل، «شيخ الروائيين» الذي جعل للكويت رواية تُقرأ في كل العالم، من «كانت السماء زرقاء» إلى «الظهور الثاني لابن لعبون»... وإلى المشاكس أحمد البغدادي، الذي دفع ثمن قلمه سجناً وتضييقاً ولم يتراجع قيد أنملة.

وإلى ناجي العلي، الذي وإن كان فلسطينياً، فقد كان حبره كويتياً في «الطليعة» و«السياسة» و«القبس»، ورسم لنا «حنظلة» الذي لايزال يدير ظهره لنا حتى اليوم خجلاً من حالنا.

يا سادة، هؤلاء وغيرهم كثير لا يسع المقال لذكرهم، مثل فهد الدويري، وسعدون العتيبي، وسلمان الحمود، وبدر خالد البدر... الذين رحلوا بأجسادهم، وظلّوا بأسئلتهم التي نعجز عن إجاباتها، ودفئهم الذي لم نعد نجد له بديلاً.

لم يكونوا مجرد «كتّاب»، كانوا «أوتاداً» خيمت عليها ديمقراطيتنا وثقافتنا... اليوم، ونحن نكتب تغريداتنا المتطايرة وسناباتنا الموقتة، نشعر ببرد شديد... فقد رحل الذين كانت «عباءاتهم» تدفئ الوطن.

رحمهم الله جميعاً... وكل ما لم يذكر فيه اسم الله... أبتر... وكل ما لا يراد به وجه الله... يضمحل.