أكد مراقبون أن ما يجري في قطاع غزة والضفة الغربية والقدس المحتلة لم يعد قابلاً للقراءة كجبهات منفصلة أو ساحات اشتباك مستقلة، بل كساحة عمليات واحدة متكاملة تتداخل فيها الأدوات العسكرية والأمنية والسياسية والاستيطانية والدينية في إطار إستراتيجية إسرائيلية شاملة لإعادة تشكيل الواقع الفلسطيني بالقوة.

فالحرب الإسرائيلية على الفلسطينيين لم تعد تقوم على منطق «الرد الأمني»كما كان الاحتلال يروج، بل على منطق الهندسة الجيوسياسية القسرية، حيث تتحول الجغرافيا الفلسطينية إلى مسرح عمليات مفتوح، وتتحول حياة المدنيين إلى أدوات ضغط مباشر في معادلة السيطرة والتهجير من غزة والضفة من مناطق «ج» ومن القدس الشرقية بهدف تهويدها.

وأكدت تقارير فلسطينية وأجنبية أن الربط بين غزة والضفة والقدس لم يعد سياسياً فقط، بل أصبح ميدانياً وعملياتياً، عبر توزيع الأدوار بين الجيش، والأجهزة الأمنية، وميليشيات المستوطنين، والمؤسسات الحكومية، في منظومة واحدة تنتج القتل المقنن - وقف نار مفتوح - والعنف كسياسة، والتهجير كخيار، والتفكيك الاجتماعي كهدف إستراتيجي.

المشهد العسكري في غزة

كشف محللون عسكريون أن القطاع يعيش حالة استنزاف عسكري مركّب تقوم على ثلاث دوائر متزامنة تتضمن الضغط العسكري المباشر، الاستهداف غير المباشر للبنية المدنية، والتجويع الاقتصادي الممنهج.

وقالت مصادر ميدانية إن العمليات العسكرية لم تعد تقتصر على المواجهة المسلحة، بل تحولت إلى حرب بنية تحتية تستهدف شبكات المياه والكهرباء والمستشفيات والطرق، بهدف تفكيك قدرة المجتمع على الصمود وليس فقط قدرته على القتال.

وأضافت أن غزة باتت تُدار كـ «حيز أمني مغلق»، تُستخدم فيه القوة النارية كأداة ردع جماعي، ويُستخدم الحصار كوسيلة إخضاع، وتُستخدم المعاناة الإنسانية كأداة تفاوض غير معلنة. وأكدت أن الطابع العسكري للعدوان يتكامل مع الطابع السياسي، حيث تُدار غزة باعتبارها «كياناً معاقباً»، وليس منطقة نزاع.

المشهد الأمني والميداني في الضفة

وأشارت مصادر فلسطينية محسوبة على السلطة الفلسطينية إلى أن الضفة تشهد تحولاً نوعياً في شكل السيطرة الإسرائيلية، من السيطرة الأمنية إلى السيطرة الميدانية المباشرة.

وأضافت أن الاقتحامات الواسعة للمخيمات والمدن والبلدات لم تعد تهدف فقط إلى الاعتقال أو جمع المعلومات، بل إلى إعادة فرض الهيمنة المكانية عبر الانتشار العسكري داخل الأحياء السكنية.

وأكدت أن اقتحام مخيمات مثل بلاطة، والتوسع الجغرافي للاقتحامات في بيت لحم ومحيطها، ونابلس والخليل، يعكس إستراتيجية «التمشيط الإقليمي»، حيث تُعامل مناطق كاملة كوحدات أمنية واحدة، لا كأهداف موضعية.

وأضافت أن التكامل بين الجيش والمستوطنين لم يعد خفياً، بل بات معلناً، حيث تتحرك ميليشيات المستوطنين كقوة رديفة، تقوم بدور الهجوم الأولي، فيما يتولى الجيش دور الغطاء والحماية وإدارة الاشتباك.

القدس والأقصى كجبهة دينية - سياسية

أما القدس، فلم تعد مجرد ساحة صراع سياسي، بل تحولت إلى جبهة دينية إستراتيجية وتحديداً البلدة القديمة التي تضم المقدسات المسيحية والإسلامية - كنيسة القيامة والمسجد الأقصى المبارك.

وبحسب المصادر فإن المسجد الأقصى أصبح محور تفجير مقصود للصراع، عبر سياسات الإبعاد، وتقييد الوصول، وتسهيل اقتحامات المستوطنين، وتحويل المسجد الأقصى المبارك إلى مساحة اشتباك رمزي وديني – متنازع عليه – يطمع المستوطنون في هدمه وتحويله إلى «كنيس يهودي» الهيكل المزعوم.

وأكدت أن حكومة الاحتلال بقيادة بنيامين نتنياهو تتعامل مع القدس باعتبارها أداة لإعادة تشكيل الصراع من نزاع سياسي إلى صراع هوياتي ديني، بما يضمن تعبئة داخلية إسرائيلية دائمة، وإنتاج صراع طويل الأمد يصعب احتواؤه سياسيا.

وأضافت مصادر مقدسية أن سياسات تفريغ المسجد الأقصى من المرابطين والمصلين، وتكثيف اقتحامات المستوطنين، تهدف إلى فرض واقع سيادي جديد داخل الحرم القدسي.

الاستيطان كأداة حرب بطيئة

كما كشف باحثون في شؤون الاستيطان أن المشروع الاستيطاني لم يعد مشروع إسكان، بل تحول إلى أداة حرب بطيئة.

وقالوا إن الاستيطان الرعوي، وتسييج الأراضي، وحرق الخيام، وتدمير المحاصيل، ليست ممارسات عشوائية، بل أدوات استراتيجية لتهجير صامت.

وأضافوا أن السيطرة على الأرض لم تعد تحتاج إلى قرار سياسي كبير، بل تُنفذ عبر آلاف الأفعال الصغيرة اليومية التي تُراكم واقعاً جديداً على الأرض، مؤكدين أن المستوطن أصبح عنصراً فاعلاً في العقيدة الأمنية الإسرائيلية، لا مجرد مستوطن «أزعر مسلح».

السجون كجبهة قمع داخلي

وفي السياق، ذكرت مؤسسات حقوقية أن السجون الإسرائيلية تحولت إلى جبهة حرب داخلية.

وأضافت أن اقتحام وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير لسجن عوفر لم يكن حدثاً رمزياً، بل رسالة سيادية بأن السجن جزء من المعركة وليس مؤسسة إصلاحية، مؤكدة أن القمع داخل السجون يُستخدم كأداة ردع نفسي جماعي، وكجزء من منظومة السيطرة الشاملة.

التهجير والتطهير الصامت

وأضافت تقارير حقوقية أن ما يجري في الأغوار ومسافر يطا ووادي المالح ليس نزوحاً عشوائياً، بل تطهير ديمغرافي بطيء.

ورأت أن حرق الخيام، وسرقة المواشي، ومنع الوصول إلى المياه والأراضي الفلسطينية، كلها أدوات تهجير غير مباشرة، مؤكدة أن هذه السياسة تهدف إلى تفريغ المناطق الإستراتيجية من سكانها دون ضجيج سياسي دولي.

عسكرياً، تكشف الوقائع عن إستراتيجية تعدد الجبهات منخفضة الحدة، حيث تُدار غزة بالحرب المباشرة، وتُدار الضفة بالاستنزاف، وتُدار القدس بالتفجير الرمزي، ويُدار الاستيطان بالتمدّد الصامت.

سياسياً، تسعى الحكومة الإسرائيلية إلى خلق واقع غير قابل للتراجع، يجعل أي حل سياسي مستقبلي بلا مضمون جغرافي حقيقي، عبر تفكيك الأرض الفلسطينية إلى كانتونات مفصولة.

أمنياً، يجري تحويل المجتمع الفلسطيني إلى مجتمع مُراقَب، مُحاصر، مُستنزَف، عبر الدمج بين القوة العسكرية والعقاب الجماعي والضغط الاقتصادي.

إستراتيجياً، ما يجري هو مشروع طويل المدى لإعادة تعريف فلسطين كوحدة جغرافية خاضعة للسيطرة الإسرائيلية الكاملة، مع إدارة الفلسطينيين كسكان بلا سيادة.

وفي السياق، أكد محللون أن فلسطين اليوم تُدار كمسرح عمليات مفتوح، لا كقضية سياسية. غزة تُستنزف عسكرياً، الضفة تُفكك ميدانياً، القدس تُفجر دينياً، والاستيطان يتمدد استراتيجياً، والسجون تُستخدم كأداة قمع، والتهجير يُنفذ بصمت.

ما يجري ليس تصعيداً موقتاً، بل إعادة تشكيل شاملة للصراع، حيث تُفرض الوقائع بالقوة، وتُدار الجغرافيا بالنار، ويُعاد إنتاج الصراع كحالة دائمة لا كأزمة قابلة للحل بحسب المحللين.