إستراتيجية وليست مجرد تهديد... الحشد العسكري الأميركي قرب إيران وخطر حرب وشيكة
- لن يتم استيعاب أي هجوم على إيران أو عزله... بل سيُعامل كهجوم وجودي مما سيؤدي إلى أقوى رد ممكن
- كل عملية نشر عسكري وإعلان يساهم في حلقة مفرغة متقلبة قد تحول التباهي الإستراتيجي إلى واقع ملموس
في الأسابيع الأخيرة، وسّعت واشنطن في شكل ملحوظ وجودها العسكري حول إيران، ناشرةً «أسطولاً ضخماً» من القوات البحرية والجوية الأميركية باتجاه الشرق المتوسط. وقد رافق هذا الحشد خطاباً متشدداً متزايداً من الرئيس دونالد ترامب، وتحذيرات مباشرة إلى طهران، وتهديدات صريحة بعمل عسكري في حال رفضت الإستجابة لمطالبها إنتاج القدرات النووية والصاروخية.
وقد صرّح وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأن «إيران أضعف من أي وقت مضى»، وهو تصريح سبق أن استخدمه مسؤولون إسرائيليون وأميركيون قبل حرب الأيام الـ 12 في يونيو الماضي.
ويبدو أن الافتراض السائد في واشنطن هو أن ضربة أميركية - إسرائيلية ستؤدي مجدداً إلى إشعال فتيل الاضطرابات الداخلية في إيران. يتجاهل هذا التقييم حجم وعمق وجاهزية جهاز الأمن الداخلي، القادر على حشد ملايين الأفراد بتفويض صريح لقمع أي اضطرابات داخلية بسرعة في ظروف الحرب. لذا، فإن ما يحدث ليس مجرد مناورة، بل تحول إستراتيجي ذو تداعيات عميقة على موازين القوى الإقليمية ومستقبل النفوذ الأميركي في الشرق الأوسط، يتماشى في شكل متزايد مع هدف ترسيخ إسرائيل كقوة إقليمية مهيمنة.
«هجوم وجودي»
لا ينبغي لأي طرف جاد أن يفترض إمكانية قصف إيران من دون رد بأقصى قوة. فعقيدة طهران وقدراتها ومنطقها السياسي تشير جميعها إلى عكس ذلك. لن يتم استيعاب أي هجوم على إيران أو عزله، بل سيُعامل كهجوم وجودي، ما سيؤدي إلى أقوى رد ممكن، موجه ليس فقط ضد المهاجمين المباشرين، بل أيضاً ضد من دبروا المواجهة وشجعوها: إسرائيل.
من شبه المؤكد أن إيران ستتكبد أضراراً جسيمة. لكنها ستنظر أيضاً إلى هذه الحرب كفرصة أخيرة لفرض تكاليف باهظة على خصومها. من المرجح أن يشمل هذا الرد ضربات صاروخية واسعة النطاق على إسرائيل والقواعد العسكرية الأميركية، بهدف تقويض افتراضات الردع وإعادة تشكيل التوازن الإستراتيجي قبل أي وقف النار أو تسوية مفروضة.
لهذا السبب تحديداً يُعد التصعيد الحالي خطيراً للغاية. فهو يقوم على إمكانية ضرب إيران وإضعافها واحتوائها من دون إشعال حرب إقليمية شاملة. فمن غير المعقول أن تبقى جماعة «أنصارالله» في اليمن أو «حزب الله» في لبنان أو القوات المتحالفة في العراق، مكتوفة الأيدي بينما يتم تفكيك إيران. تدرك هذه الجهات الفاعلة أن تدمير إيران لن ينهي المواجهة، بل سيعيد ترتيبها، ما يجعلها عرضة للاستهداف التالي. بالنسبة لهم، يُعد التقاعس بمثابة انتحار إستراتيجي.
يبدو أن ترامب غافل تماماً عن التداعيات الإقليمية التي ستُطلقها مثل هذه الحرب. إن حملة تهدف إلى تدمير اقتصاد إيران وبنيتها التحتية وقطاع الطاقة وبرنامجها الصاروخي لن تبقى محصورة داخل حدودها. سيؤدي ذلك إلى إشعال صراع متعدد الجبهة، يمتد من البحر الأحمر إلى البحر الأبيض المتوسط، ويُرهق هياكل الردع القائمة، ويُغرق الشرق الأوسط في حرب قد تتجاوز قدرة واشنطن على السيطرة.
الحجم والرسالة
تُعدّ حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن»، العاملة حالياً في منطقة مسؤولية القيادة المركزية (سنتكوم)، إلى جانب مدمرات الصواريخ الموجهة، وأسراب المقاتلات، ووحدات الدعم، محور هذا التعزيز العسكري. ويجري تعزيز المنطقة بعشرات الآلاف من القوات الأميركية، بالإضافة إلى مقاتلات إضافية، في حين أن الوجود الأميركية فيها كان يضم بالفعل عشرات الآلاف.
كما أطلقت واشنطن مناورات جوية استعدادية متعددة الأيام، وأعادت نشر طائرات هجومية وأنظمة دفاع صاروخي بالتنسيق مع قواعد في الشرق الأوسط، ما يُشير إلى أن هذا الانتشار ليس مصمماً للردع فحسب، بل لإظهار قدرة قتالية موثوقة.
يركز الإطار الرسمي الأميركي الذي قدمته إدارة ترامب على وقف سعي إيران المزعوم لامتلاك أسلحة نووية، والرد على حملات القمع الداخلية التي تشنها طهران ضد حركات الاحتجاج. ويحذر ترامب مراراً وتكراراً من أن «الوقت ينفد» أمام المفاوضات، وأنه في حال رفضت إيران الامتثال، فقد يتم استخدام القوة لفرض المطالب الأميركية.
إلا أن الواقع أبعد ما يكون عن كونه مرتبطاً بكبار مثيري الشغب أو القنبلة النووية المزعومة، بل ببرنامجها الصاروخي ودعمها لـ«حزب الله»، و«أنصارالله»، والمقاومة العراقية. وتعتبر إسرائيل هذه الأمور تهديداً كبيراً وتحدياً لهيمنتها الإقليمية.
من الردع إلى التصعيد: لماذا تعتبره طهران تهديداً؟
لا تنظر القيادة الإيرانية إلى هذا الحشد العسكري كرادع لتحقيق الاستقرار، بل كتهديد مباشر لسيادتها. وقد صرح مسؤولون إيرانيون كبار بأن أي هجوم عسكري ضدها سيُعامل كحرب شاملة، مما يؤكد احتمالية تصاعد الصراع الإيراني إلى ما هو أبعد من الضربات المحدودة.
تستند حسابات طهران الإستراتيجية إلى عقود من التوتر مع واشنطن وإسرائيل. يدرك القادة الإيرانيون تماماً أن حاملات الطائرات الأميركية، رغم قوتها الرمزية، لا تمتلك وحدها المدى أو الذخائر اللازمة لإلحاق ضرر شامل بالاقتصاد العميق، وشبكة الطاقة، والبنية التحتية العسكرية المحصنة، خصوصاً من دون دعم أوسع. بدلاً من ذلك، تكمن القدرة الحقيقية على شن ضربات متواصلة في القواعد الأميركية، والقاذفات بعيدة المدى.
هذا أحد الأسباب التي دفعت الإستراتيجيين الإيرانيين إلى الإشارة إلى أنه في حال اندلاع أعمال عدائية مفتوحة، فإن أي رد سيكون مُعايراً إستراتيجياً وفقاً لمواقع التواجد الفعلي للقوة الأميركية، وليس على أصول بحرية معزولة.
وقد أوضحت طهران أنها تمتلك قدرات هجومية - بما في ذلك الصواريخ البالستية وصواريخ كروز - التي يمكنها استهداف القواعد الأميركية وكذلك إسرائيل، في حال اندلاع الصراع.
تهديد وجودي
لأعوام، صوّر القادة الإسرائيليون، إيران على أنها تهديد وجودي، مصرّين على ضرورة الحفاظ على الردع مهما كلف الأمر. لكن ما يُغفل عنه في الخطاب الغربي العام هو أن النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل على السياسة الأميركية غالباً ما يمر عبر تضخيم التهديد وتعزيز الرواية، وليس من خلال السيطرة الجيو- سياسية المباشرة. وقد شكّل هذا كيفية إدراك صانعي السياسة الأميركيين للقدرات والنوايا الإيرانية، حتى عندما تقدم تقييمات الاستخبارات المستقلة صوراً أكثر دقة.
مع ذلك، لا تسيطر إسرائيل على الشرق الأوسط. فتحركات أنقرة الحازمة في سوريا، وتحالفات طهران الدائمة مع شبكات الحلفاء، تُظهر مجتمعةً أن توزيع القوة الإقليمية أكثر تعقيداً بكثير من مجرد إعلان إستراتيجي من أي عاصمة بمفردها. في حال شنت الولايات المتحدة هجوماً عسكرياً، سواء أكان غارات جوية أم هجوماً أوسع نطاقاً، فقد أوضحت إيران وشبكة شركائها الإقليميين استعدادهم للرد.
وقد وجّهت ميليشيات موالية لإيران في العراق ولبنان واليمن تهديدات في حال اندلاع الأعمال العدائية، بينما سلطت الجمهورية الإسلامية الضوء مراراً على خيارات تشمل قصفاً صاروخياً على قواعد إقليمية وإسرائيل.
تُعقّد هذه القدرات غير المتكافئة أي حسابات أميركية، إذ قد يشمل الرد مزيجاً من الضربات الإيرانية المباشرة، وهجمات الميليشيات، وتعطيل الممرات المائية الحيوية كمضيق هرمز، ما يزيد من المخاطر الاقتصادية العالمية وخطر اندلاع صراع أوسع.
يقع كل من واشنطن وطهران الآن في ما يسميه بعض المحللين «فخاً سردياً». فبالنسبة إلى الولايات المتحدة، قد يُنظر إلى التراجع عن الضغط العسكري داخلياً على أنه ضعف، لا سيما بعد الخطاب الحاد والتهديدات العلنية.
أما بالنسبة إلى إيران، فقد يُصوَّر أي تنازل كبير تحت الضغط على أنه استسلام. هذه الديناميكية تجعل احتمالية الصراع واقعاً إستراتيجياً حقيقياً، لا مجرد احتمال بعيد. ويؤكد الانتشار الأخير لقوات أميركية كبيرة، وإشارة إيران الواضحة إلى أنها سترد بقوة على ما تعتبره عدواناً غير مشروع، أن كلا العاصمتين باتتا تدركان خطر الحرب على أنه حقيقي.
وسط هذا التصعيد، دعت دول إقليمية علناً إلى خفض التصعيد. ودعت تركيا، واشنطن إلى معالجة النزاعات تدريجياً وتجنب إذلال إيران، مشيرة إلى أن القنوات الدبلوماسية مازالت سبيلاً لخفض التوترات.
ما يُميّز المواجهة الحالية عن المناوشات السابقة ليس فقط حجم الاستعدادات العسكرية، بل مدى تداخل الخطاب السياسي والموقف السياسي والحسابات الإستراتيجية.
إن الحشد العسكري الأميركي، حقيقي، وإشارة إيران بالرد القوي، حقيقية أيضاً. في هذا السياق، يزداد خطر التصعيد. إن التوتر، سواء كان محدوداً أو واسع النطاق، حقيقة واقعة لا مجرد وهم. لم يعد الوضع في المنطقة يسمح للتحذيرات الدبلوماسية وحدها بكبح جماح المواجهة بسهولة. فكل عملية نشر عسكري وإعلان يساهم في حلقة مفرغة متقلبة قد تحول التباهي الإستراتيجي إلى واقع ملموس.