محاور الأزمة الإيرانية... واللعبة الإسرائيلية لقلب المنطقة!
- الزيارة السريعة لنتنياهو إلى واشنطن... مؤشر قلق إسرائيلي من «صفقة أميركية سريعة»
- تقديرات متضاربة داخل واشنطن وتل أبيب تكشف عن فجوات إستراتيجية وقلق عميق من انعكاسات أيّ تحرّك وخوف من تورط في حرب شاملة
- إسرائيل تدفع نحو مسار منفرد أكثر جرأة مما تتصور الأطراف جميعاً... الهجوم وتوريط واشنطن في حرب تقلب المنطقة برمتها
- الموقف الإسرائيلي يتجاوز القلق إلى مرحلة التشكيك الجوهري في إستراتيجية واشنطن وثباتها
- ترامب يرى في إيران «مشكلة يمكن احتواؤها» مقابل التركيز على الصين وروسيا
في ظلّ تصاعد وتيرة التطورات الحاسمة حول الملف النووي الإيراني، تشير تحركات الأطراف الرئيسية إلى مرحلة مفصلية قد تحدد شكل التوازن الإقليمي والأمني لسنوات قادمة. فالزيارة المفاجئة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى واشنطن، والمفاوضات الأميركية - الإيرانية في سلطنة عُمان، والتقديرات المتضاربة داخل واشنطن وتل أبيب، تكشف عن فجوات إستراتيجية وقلق عميق، وفق ما تنقله مصادر إعلامية وتحليلية إسرائيلية وأميركية.
بحسب رئيسة صحيفة «معاريف» الإسرائيلية، فإن زيارة نتنياهو لواشنطن التي قدم موعدها بشكل استثنائي إلى يوم الأربعاء «تجسد مستوى العجلة والقلق في تل أبيب من الاتجاه الذي تتطور إليه المفاوضات مع طهران». ونقلت عن مصادر سياسية، أن هناك «إحساساً متزايداً بعدم الارتياح في ضوء الإشارات التي تخرج من واشنطن وتفيد بأن الرئيس (دونالد) ترامب كفيل بأن يوافق على تسوية مركزة مع إيران تركز على البرنامج النووي فقط».
ويُعتبر هذا السيناريو «إشكالياً بل وخطيراً» من المنظور الإسرائيلي، كما تقول المصادر، لأنه سيُبقي التهديدات الإسرائيلية المباشرة، والمتمثلة في برنامج الصواريخ البالستية ودعم طهران لما يسمى «المحور الإيراني» (حزب الله، حماس وغيرها)، من دون معالجة.
ولفتت «معاريف»، من جانبها، إلى أن تقديم موعد اللقاء يهدف إلى «السير على الخط ومنع وضع تكتشف فيه إسرائيل بأثر رجعي تفاهمات كانت قد تحقّقت بين واشنطن وطهران».
تحليل اتجاه إدارة ترامب يُظهر تناقضاً ظاهرياً بين تصعيد عسكري مستمر، عبر ما يُسمى «الأسطول الجميل» قرب إيران، وبين تفاؤل مفاجئ بإمكانية التوصل لاتفاق.
فمن جهة، يقول المحلل تسفي برئيل في «هآرتس»، إن الرسالة التي يوجهها الوجود العسكري الأميركي «ليست لإيران فقط، بل لإسرائيل أيضاً... الخيار العسكري لم يُستبعد، لكنه خيار أميركي وليس إسرائيلياً».
من جهة أخرى، يشير برئيل إلى أن ترامب، رغم تحذيره الأسبوع الماضي بأن «الوقت ينفد»، صرح في نهاية الأسبوع نفسه بأنه «لدينا متسع من الوقت للتوصل إلى اتفاق مع إيران».
ويرى الكاتب أن ترامب «يبحث عن اتفاق يمكن أن يحقق إنجازين: تحييد التهديد النووي مع مرور الوقت، واتفاق يمكن تسويقه في الولايات المتحدة وفي العالم على أنه أفضل من الاتفاق النووي الأصلي» الذي انسحب منه عام 2018 وهذا ما لا تريده تل أبيب.
هذا الترنح الأميركي بين الخيار العسكري والدبلوماسي، وبين التصميم على شروط كاملة والرضا بتسوية جزئية، هو مصدر القلق الإسرائيلي الأساسي. وتضاف إليه، كما يذكر مقال في «إسرائيل اليوم» للكاتب إيال زيسر، عوامل تتعلّق بشخصية ترامب وأسلوبه.
يقول زيسر: «حتى اليوم لم يجرِ ترامب حقاً مفاوضات مع أحد، بل ببساطة أملى إرادته... إذا كان ثمة شيء يتميز الإيرانيون به فهو خوض المفاوضات وتمديد وكسب الوقت، وخداع الخصم وإرهاقه».
وتشير العديد من التحليلات الأميركية إلى أن التحديات والفضائح الداخلية التي تواجه ترامب، قد تدفعه نحو السعي لتحقيق نصر خارجي سريع وقابل للعرض لتعزيز وضعه السياسي. فالرغبة في تقديم إنجاز في ملف إيران، كما ذكرت «هآرتس»، قد تدفعه لقبول صيغة أقل تشدداً مما تطالب به إسرائيل، أو قد تدفعه في الاتجاه المعاكس نحو عمل عسكري محدود لتحشيد التأييد.
غير أن التحليلات الإسرائيلية تُشكك في قدرة أي ضغط داخلي على إجبار ترامب على اتخاذ قرار غير مدروس. فالنبرة العامة المستخلصة تشير إلى أن الرئيس الأميركي يتحرك ضمن حسابات براغماتية بحتة، تهدف لتحقيق أفضل صفقة ممكنة تحمل اسمه، مع تفادي الدخول في حرب واسعة النطاق.
نقطة الاختبار
وكما لخصت «معاريف»، فإن اللقاء القريب في واشنطن «يُعد في إسرائيل كنقطة اختبار ليس فقط لمسألة كيف سيبدو الاتفاق مع إيران، بل وأيضاً للمسألة الأعمق: هل إسرائيل والولايات المتحدة تتواجدان بالفعل على الصفحة نفسها في مسألة تعتبر التهديد الإستراتيجي المركزي على أمن إسرائيل»؟
النتيجة المتوقعة هي أن إسرائيل ستخرج بضمانات أميركية لفرملة أي تسرع في الاتفاق، وربما وعود بمعالجة قضايا الصواريخ والوكالات لاحقاً. لكن الثقة العميقة، كما تُظهر التحليلات، مُتآكلة. فالفجوة بين المطلب الإسرائيلي بإسقاط النظام أو استسلامه الكامل، كما دعا زيسر، وبين الاستعداد الأميركي للتعامل معه عبر صفقة، تبدو هوة إستراتيجية يصعب ردمها، مما يُبقي المنطقة على حافة تصعيد قد يشتعل من أي مفاجأة في مسار المفاوضات الهش.
باستقراء أعمق للمصادر الإسرائيلية، يتبين أن الموقف الإسرائيلي يتجاوز القلق العادي ليدخل في مرحلة التشكيك الجوهري في إستراتيجية واشنطن وثباتها. لا تتعلّق الأزمة فقط بموعد زيارة نتنياهو، بل بفجوة في التقييم الإستراتيجي الأساسي حول ماهية التهديد الإيراني وكيفية مواجهته.
بحسب مصادر أمنية إسرائيلية رفيعة المستوى نقلتها «معاريف»، فإن الزيارة تأتي في أعقاب سلسلة من المداولات المتسارعة في المستويين السياسي والأمني، بعد أن قدمت تقييمات استخباراتية لواشنطن تُظهر «فجوات كبيرة بين مواقف الطرفين» في مفاوضات عُمان.
ولفتت المصادر إلى نقطة الخلاف المركزية: «استعداد أميركي لفحص إمكانية التقدم حتى بثمن تأجيل مسائل أخرى إلى وقت لاحق».
هذا «التأجيل» هو لب الكارثة في نظر صنّاع القرار في «الغرفة الكبرى» (الكابينيت) الإسرائيلية.
فوفقاً لتقرير مفصّل في «هآرتس» بقلم عاموس هاريل، فإن الإجماع الاستخباراتي الإسرائيلي يفيد بأن إيران ستستخدم أي اتفاق جزئي يركز على النووي فقط لـ «كسب الوقت وترميم قواها»، مع الاستمرار في تطوير صواريخها ودعم حلفائها.
ويقول أحد كبار القادة الأمنيين السابقين، طالباً عدم ذكر اسمه: «الدرس الذي تعلمناه من 2015 هو أن فصل الملف النووي عن ملف الصواريخ والمنظمات التابعة لإيران كان خطأً قاتلاً. إذا كرر الأميركيون الخطأ نفسه، فسنكون أمام تهديد وجودي أكبر خلال بضع سنوات فقط».
هل يثقون بترامب؟
وفيما يُظهر نتنياهو قلقاً علنياً، تظهر تقارير من «يسرائيل هيوم» نقلاً عن مصادر في أروقة جهاز الأمن (الشاباك) أن هناك قسماً من المؤسسة الأمنية أقل تشاؤماً مما يبدو عليه رئيس الوزراء. وتشير إلى أن الرسالة التي حملها المبعوث الخاص ستيف ويتكوف خلال زيارته الأخيرة كانت مطمئنة إلى حدّ ما، وهي أن «الأميركيين يسيرون على الخط مع المطالب الإسرائيلية» ويفهمون أن إيران ستحاول المماطلة.
لكن المحلل الأمني البارز رونين بيرغمان يكتب في «يديعوت أحرونوت» أن هذا التفاؤل الحذر «ساذج ولا يقرأ التاريخ». ويستشهد بتحليل لجهاز «الموساد» يفيد بأن «نظام الإيراني لا يفهم لغة التنازلات الجزئية إلا على أنها ضعف»، وأن أي اتفاق لا يشمل نزعاً شبه كامل للبنية التحتية النووية مع آلية تفتيش مفاجئة هو «مضيعة للوقت».
ويضيف: «الخوف الحقيقي ليس من اتفاق سيئ، بل من اتفاق يبدو جيداً على الورق لكن آليات التنفيذ والإشراف عليه معطلة، تماماً كما حدث في الاتفاق السابق».
السيناريو الأسوأ
المصادر الإسرائيلية تصف «السيناريو الكابوسي» بأنه ليس الفشل الكامل للمفاوضات، بل نجاحها بشكل جزئي وغير كافٍ. الكاتب بن كسبيت في «جيروزاليم بوست» يلخص هذا الهاجس: «السيناريو الأسوأ هو أن يعلن ترامب انتصاراً دبلوماسياً عظيماً، بينما تبتسم طهران في الخفاء لأنها حصلت على غطاء قانوني دولي لمواصلة برنامجها الصاروخي وتوسيع نفوذها الإقليمي، مع تخفيف جزئي للعقوبات».
هذا السيناريو، بحسب تحليل مركز «أبحاث الأمن القومي» في جامعة تل أبيب، «سيعقّد أي عمل عسكري إسرائيلي مستقبلي بشكل كبير»، لأنه سيفقدها الغطاء الدبلوماسي الدولي وربما الأميركي أيضاً، إذا قررت ضرب منشآت إيرانية بينما «الاتفاق النووي الجديد» سارٍ.
الرسائل الخفية والسيناريوهات البديلة
تقارير في «كالكاليست» العبرية تشير إلى أن زيارة قائد سلاح الجو الإسرائيلي الجديد عوفر تشلر، المرافقة لنتنياهو، ليست عرضية. فهي تهدف إلى «تنسيق تقني وعملياتي عالي المستوى»، ربما تحضيراً لسيناريوهات متزامنة: أحدها دبلوماسي، والآخر عسكري تحضيري.
ويقول محلل عسكري: «الإسرائيليون يريدون أن يظهروا للأميركيين أن لديهم خطة عملية قابلة للتنفيذ إذا فشلت المفاوضات، وأنهم جادون في استخدامها».
في المقابل، يُحذر الكاتب أفي إسكوليس في موقع «واللا» العبري من «الوقوع في فخ الابتزاز الإسرائيلي». ويقول: «نحن (الإسرائيليين) نقدم أنفسنا كمن يعرف ما في صالح أميركا أكثر من الأميركيين أنفسهم. هذا قد يثير نفوراً حتى داخل الإدارة الجمهورية. علينا أن ندفع نحو إدماج الملف الصاروخي والإقليمي، لكن بطريقة لا تجعلنا نبدو وكأننا نعطّل أيّ فرصة للسلام».
شرخ في التحالف الإستراتيجي
الصورة النهائية كشفت شرخاً عميقاً في الثقة داخل التحالف الإستراتيجي. الإسرائيليون لا يُشكّكون فقط في تكتيكات ترامب، بل في التقييم الجيوسياسي الأميركي الأوسع الذي قد يرى في إيران «مشكلة يمكن احتواؤها» مقابل تركيز الاهتمام على منافسة القوى العظمى مع الصين وروسيا.
كما قال وزير سابق في الحكومة الإسرائيلية لـ «معاريف»: «نخشى أن نكون، مرة أخرى، الحلقة الأضعف في المعادلة. أميركا قد تقبل بتسوية لأن لديها أولويات أخرى. لكننا نحن من سيبقى وجهاً لوجه مع الصواريخ والمنظمات المدعومة من إيران».
هذا الخوف الوجودي هو ما يدفع إسرائيل نحو تحركات استباقية قد تعيد تعريف قواعد اللعبة، سواء عبر التنسيق المكثف مع واشنطن، أو عبر الاستعداد لمسار منفرد أكثر جرأة مما تتصور الأطراف جميعاً... الهجوم وتوريط واشنطن في حرب سريعة.