واشنطن وتل أبيب تتعاملان مع طهران بوصفها أداة اختبار لا مسار حسم في ملفات المنطقة

المحادثات الأميركية - الإسرائيلية تدور حول سيناريوهات الضربة... لا مسارات التسوية

واشنطن حركت حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» إلى المنطقة للضغط على إيران
واشنطن حركت حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» إلى المنطقة للضغط على إيران
تصغير
تكبير

- شروط واشنطن صيغة إذعان لا يمكن لأي نظام سياسي قبولها
- إسرائيل تبقى الطرف الأكثر قدرة على قلب الطاولة عبر عمل أمني أو عسكري كبير قد يفرض واقعاً جديداً

يقف الإقليم على حافة لحظة فارقة، تتداخل فيها مؤشرات التصعيد العسكري مع مسارات دبلوماسية هشة، في مشهد تتكثف فيه التحركات الأميركية - الإسرائيلية، مقابل مناورة إيرانية محسوبة تستخدم أوراق القوة من دون الذهاب إلى كسر شامل للتوازنات.

ففي ظل الاحتكاك المتصاعد في مضيق هرمز، وارتفاع منسوب التهديدات المتبادلة بين واشنطن وطهران، تعود الأسئلة الكبرى إلى الواجهة: هل فشل مفاوضات اليوم الجمعة، يقود إلى الانفجار، أم أنها ليست سوى محطة تمهيدية قبل انتقال الصراع إلى طور أكثر خطورة؟

وتجمع التقديرات الأميركية والإسرائيلية على أن تلك المفاوضات لن تشكل نهاية الأزمة، بل محطة مفصلية لإعادة تقييم الخيارات.

فالفشل يعني أن المنطقة قد تدخل مرحلة تصعيد تدريجي محسوب، يبدأ بضغوط اقتصادية وأمنية، وقد ينتهي بضربات عسكرية انتقائية، مع بقاء سيناريو الحرب الشاملة خياراً أخيراً لا يرغب فيه أي طرف، لكنه يظل ممكناً في حال انزلاق الحسابات.

خلافات مكتومة

وتكشف تقديرات مشتركة لمراكز أبحاث أميركية - إسرائيلية عن وجود تباين غير معلن بين واشنطن وتل أبيب حول توقيت وشكل أي ضربة محتملة، إذ تخشى الولايات المتحدة من أن يؤدي تحرك إسرائيلي منفرد إلى جرّها قسراً إلى مواجهة إقليمية واسعة، في حين ترى إسرائيل أن التأخير يصب في مصلحة إيران.

ويقدّر خبراء أمنيون إسرائيليون أن أي مواجهة مقبلة، إذا اندلعت، فلن تكون خاطفة، بل ستأخذ طابع الضربات المتبادلة متعددة الجبهة، تشمل الساحات البحرية، والجبهة الشمالية، وأهدافاً أميركية في المنطقة، وهو ما يفسر القلق الأميركي من فقدان السيطرة على مسار التصعيد.

وكشفت تقديرات صادرة عن مراكز أبحاث ودوائر صنع قرار في الولايات المتحدة وإسرائيل، أن واشنطن وتل أبيب تتعاملان مع طهران بوصفها أداة اختبار لا مسار حسم في ملفات المنطقة، في إطار إستراتيجية أوسع تقوم على إدارة الأزمة لا تسويتها بشكل نهائي في هذه المرحلة.

ونقلت وسائل إعلام أميركية، استناداً إلى مسؤولين سابقين وحاليين في البنتاغون، أن الولايات المتحدة عززت انتشارها العسكري في المنطقة والبحر الأحمر وشرق المتوسط، ليس بهدف شن حرب شاملة، بل لخلق بيئة ردع عالية الكلفة تدفع طهران إلى تقديم تنازلات تدريجية من دون انهيار كامل لمسار التفاوض.

وبحسب التقديرات، فإن الإدارة الأميركية تفضّل في حال الفشل خيارات عسكرية محدودة ودقيقة تستهدف قدرات نوعية، مع تجنب ضربات قد تؤدي إلى رد إيراني واسع أو إغلاق مضيق هرمز.

وفي السياق ذاته، نقلت صحف أميركية عن دوائر قريبة من مجلس الأمن القومي أن الرئيس دونالد ترامب لا يرى في العمل العسكري هدفاً بحد ذاته، بل ورقة ضغط قصوى، مشيرة إلى أن البيت الأبيض يخشى من أن أي حرب مفتوحة مع إيران قد تتحول إلى نزاع استنزاف طويل يعيد إلى الأذهان تجارب العراق وأفغانستان، ويُربك الأسواق العالمية قبيل استحقاقات اقتصادية وسياسية داخلية.

تل أبيب... نافذة الفرصة تضيق

في المقابل، تعكس التقديرات الإسرائيلية مقاربة أكثر تشدداً، إذ نقلت صحف عبرية، عن مصادر أمنية رفيعة المستوى، أن تل أبيب ترى في المرحلة الحالية نافذة فرصة نادرة لتوجيه ضربة إستراتيجية لإيران، في ظل انشغال طهران بأزماتها الداخلية، واستنزاف قدراتها عبر ساحات متعددة.

وبحسب مصادر، فإن المؤسسة الأمنية تعتبر أن أي اتفاق لا يؤدي إلى تفكيك جوهري للبنية النووية الإيرانية سيكون فشلاً إستراتيجياً، بل وقد يمنح إيران وقتاً إضافياً لتطوير قدراتها تحت غطاء دبلوماسي.

وتشير التقديرات إلى أن تل أبيب تضغط باتجاه إبقاء الخيار العسكري على الطاولة، حتى في حال انطلاق مسار تفاوضي، مع الاستعداد للتحرك المنفرد إذا ما رأت أن واشنطن تتجه نحو تسوية «ناعمة».

وأجمع كتّاب ومحللون سياسيون وأساتذة جامعات، على أن المنطقة تمر بمرحلة فارقة إستراتيجية غير مسبوقة، حيث تُستخدم الدبلوماسية كأداة ضغط موازية للحشد العسكري، في وقت تستعد فيه واشنطن وتل أبيب لخيارات مفتوحة، تتراوح بين الاحتواء الموقت والضربة المحدودة، وصولاً إلى سيناريوهات أكثر اتساعاً إذا فشلت الجهود السياسية.

ويرى أستاذ العلوم السياسية سهيل دياب، أن المشهد الراهن يعكس تناقضاً ظاهرياً لكنه مقصود، يتمثل في رفع الجاهزية العسكرية إلى أقصاها، بالتوازي مع الإعلان عن الانخراط في مسار تفاوضي.

ويؤكد أن هذا السلوك لا يعني بالضرورة الرغبة في تسوية شاملة، بقدر ما يعكس توظيف الدبلوماسية كأداة لإدارة الوقت، أو لتوفير غطاء سياسي وقانوني لأي تصعيد لاحق.

ويشير إلى أن الولايات المتحدة وإيران، ومعهما إسرائيل، رفعت مستويات الاستعداد العسكري إلى درجات غير مسبوقة، غير أن هذه الاستعدادات تصطدم حتى اللحظة بعوامل كابحة، أبرزها الكلفة العالية للحرب، وعدم وضوح نتائجها، إضافة إلى رفض إقليمي واسع للانزلاق إلى مواجهة شاملة.

فجوة عميقة... وإسرائيل المتغير الأخطر

ويوضح دياب أن الفجوة بين الموقفين الأميركي والإيراني مازالت عميقة، لكنها تصبح أكثر اتساعاً عند إدخال العامل الإسرائيلي، الذي يدفع باتجاه خيارات حاسمة وسريعة، محذراً من أن إسرائيل تبقى الطرف الأكثر قدرة على قلب الطاولة، عبر عمل أمني أو عسكري كبير، قد يفرض واقعاً جديداً على واشنطن والمنطقة بأسرها.

وأضاف أن الأسابيع الأخيرة شهدت مؤشرات خفض نسبي للتصعيد الإعلامي، تعود إلى ثلاثة عوامل رئيسية من بينها «سيناريو الخروج من الإحراج»، ويرجّح دياب أن يكون هذا السيناريو الأقرب للواقع، حيث سيسمح لواشنطن بتحقيق مكاسب محدودة، أو فرض وقائع جزئية، من دون الانزلاق إلى حرب شاملة أو فرض استسلام كامل على إيران.

ويخلص إلى أن المنطقة تقف أمام مواجهة محتملة لكنها مؤجلة، وقد لا تكون بعيدة زمنياً، لكنها تنتظر نضوج شروطها السياسية والإقليمية والدولية.

شروط تعجيزية وضغوط

من جانبه، يرجّح الباحث المختص بالشأن الإسرائيلي نزار نزال، فشل المفاوضات، معتبراً أن مسار التصريحات المتبادلة يعكس أزمة ثقة عميقة، تعود جذورها إلى انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي في عهد ترامب.

ويؤكد أن الشروط الأميركية المطروحة – من تفكيك البرنامج النووي بالكامل، إلى تحجيم الصواريخ، ووقف النفوذ الإقليمي، وصولاً إلى تفكيك الحرس الثوري – تمثل صيغة إذعان لا يمكن لأي نظام سياسي قبولها.

ويشير إلى أن أي مرونة إيرانية محتملة ستبقى محدودة ومحصورة بالملف النووي، مقابل مكاسب اقتصادية ملموسة، إلا أن الضغوط الإسرائيلية واللوبيات المؤثرة داخل واشنطن تجعل من هذا السيناريو ضعيف الحظوظ.

مفاوضات على وقع سيناريوهات الحرب

ويلفت نزال إلى أن طبيعة اللقاءات الأميركية – الإسرائيلية الجارية، والتي يهيمن عليها الطابع الأمني والعسكري، تشير إلى أن النقاش الحقيقي يدور حول سيناريوهات الضربة، لا مسارات التسوية.

ويرى أن السيناريو الأرجح يتمثل في استمرار التوتر والمفاوضات المتقطعة، ثم إعلان فشلها، تمهيداً لتوجيه ضربة عسكرية محسوبة ضد إيران، بعد تأمين ضمانات لتقييد ردها.

مضيق هرمز... ورقة ضغط محسوبة

وتعتبر الباحثة السياسية تمارا حداد، أن ما يجري في مضيق هرمز يندرج ضمن استخدام إيراني مدروس لأهم أوراق الضغط الإستراتيجية، بهدف تحسين شروط التفاوض لا تفجير المواجهة.

وتؤكد أن التصعيد الحالي لايزال تحت السيطرة، وأن إسرائيل تبقى الطرف الوحيد الذي يدفع باتجاه الخيار العسكري المباشر، ساعية إلى إنهاء النظام الإيراني، لا تعديل سلوكه.

«دبلوماسية القوة» وتجنّب الحرب

أما الباحث في العلاقات الدولية نعمان توفيق العابد فيستبعد انزلاق التوتر إلى حرب شاملة قبل مفاوضات اليوم، مشيراً إلى أن السياسة الأميركية تقوم حالياً على «دبلوماسية القوة» لا على الحروب الطويلة.

ويؤكد أن إيران تدرك أنها ستكون الخاسر الأكبر في أي مواجهة مفتوحة، ما يجعلها حريصة على ضبط التصعيد.

الصفقات عالية المخاطر

ويرى الكاتب والمحلل السياسي نهاد أبو غوش أن ترامب يرفع سقف المطالب إلى أقصى حد، لكنه غالباً ما يعود إلى تسويات وسطية، محذراً في الوقت نفسه من أن أي مغامرة عسكرية ضد إيران قد تقود إلى كارثة إقليمية واقتصادية عالمية، تبدأ من مضيق هرمز ولا تنتهي عند حدود الشرق الأوسط.

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي