أكثر ما يبعث في نفسي الحزن والغضب هو استغلال المرضى، هذا النوع من الاستغلال هو أبغض أنواع الانتهازية، فالمريض إنسان محتاج، وحاجته في أغلى شيء عنده، صحته، من هنا كان هذا النوع من الاستغلال لا يمكن التساهل فيه ولا يمكن مسامحته.

لقد تنوعت صور ووجوه استغلال المرضى؛ وزاد عدد الجشعين الذين لا يبالون سوى بمصالحهم، إنهم اليوم يأخذون صوراً تتبدل ألوانها ووجوهاً تتغير ملامحها، فالشركات التي تكذب في أبحاثها، والمدّعون الذين يكذبون في معلوماتهم، والأطباء الذين يميزون بين المرضى وفق وسائطهم، والتجار الذين يبيعون سلعاً ضارة، وأصحاب القرار الذين ينشغلون بالصراعات عن المرضى، وأصحاب التشريع الذين يهتمون بصوت أصحاب النفوذ على حساب أصوات المرضى وحتى الذين يحاولون مساعدة المرضى بهدف مال أو شهرة دون إعطاء المريض حقه، كل أولئك هم صور من صور استغلال المريض ووجوه من وجوه الانتهازية.

لقد عشت مع مرضى السرطان سنوات طويلة جداً، فلم أرَ أكثر من هذا المريض عُرضة للاستغلال، والسبب بالطبع خطورة هذا المرض وخوف الناس منه، ورغم أن نسبة الشفاء من السرطان قد تصل في بعض أنواعه إلى أكثر من 90 في المئة، ورغم أن الذين تم شفاؤهم منه بفضل الله يعودون لحياتهم الطبيعية وكأنهم لم يمرضوا قط، إلا أن من لم يكتب الله له الشفاء يكون أكثر تأثيراً على الصورة العامة لهذا المرض، حتى أصبح السرطان ميداناً خصباً لمن أراد مشكوراً مساعدة المرضى وأيضاً لمن أراد للأسف استغلالهم.

لا يكاد يمضي شهر أو شهران إلا ويخرج علينا مُدّعٍ أو مُتسرع يعلن للعامة عن كشفٍ جديدٍ أو دواءٍ مُبتكر، والنتيجة إعطاء أمل كاذب للمرضى يتسبب في أضرار عليهم أو بتخليهم عن علاجهم وفي النهاية تكون حياتهم ثمناً لذلك، لقد زادت هذه الظاهرة واتسع مداها وزاد عدد الذين دفعوا حياتهم ثمناً لها ولابد من وقفة تجاهها.

قبل سنوات نُشر في إحدى الصحف الكويتية خبر عن مؤتمر صحافي من عاملين في معهد أبحاث في دولة عربية أعلنوا فيه عن اكتشاف علاج لمرض السرطان؛ وليس هذا فحسب بل إن أحدهم ذكر أنه لم تعد هناك حاجة للعلاج الكيماوي، الخبر يتكلم عن بحث حول جزئيات الذهب مازال في طور الدراسة ولم يتم اعتماده عالمياً للعلاج السريري، وبالطبع، وكما حدث في السابق مرات كثيرة، سيرتبك بعض المرضى وقد يوقفون علاجهم والنتيجة خيبة أمل ومضار خطيرة، وقبل أيام وصلتني رسائل عن اكتشافات جديدة في الصين، أو عن تطوير علاج للسرطان في أميركا وغيرها يقضي على السرطان، وكلها إما ادعاءات مُبالغ فيها، أو تدور حول عقارات حديثة لاستخدامات محددة لا يصح التوسع فيها.

إن البحث العلمي سلسلة طويلة ودقيقة من التجارب، تمر بمراحل عديدة ونتائج كل مرحلة تُعرض في مؤتمرات عالمية وتأخذ موافقات من جهات رقابية عالمية، جهد كبير ومستمر لتحقيق الشفاء من الأمراض دون مبالغات ولا استغلال.

الإنسان ليس بضاعة رخيصة يمكن لكل مغامر أن يتعامل معها، هناك -ولله الحمد- قيم طبية ما زالت صلبة لدينا وفي العالم أجمع.

لكن تبقى المشكلة بالإعلام الذي يتم استغلاله للترويج لمثل تلك الادعاءات، الحل يكمن في تعاون بين وزارة الصحة وجمعيات النفع العام المهتمة بالتوعية الصحية، تعاون من أجل تشكيل مجموعة عمل ترصد تلك الادعاءات وتقاضيها، فالقانون كفيل بحماية مرضانا، أتمنى أيضاً أن يُسارع المحامون الكويتيون للتعاون معنا، فالمرضى يستحقون منا كل حماية، فاليوم نحن أصحاء بفضل الله وغداً نكون منهم بحمد الله.