أحياناً يبدو الإنسان وكأنه يعيش حياة كاملة، لكنه في الحقيقة يؤديها فقط. يمضي يومه، ينجز ما عليه، يبتسم عند الحاجة، بينما داخله ساكن، منفصل، كأن الحياة تجري من حوله لا من خلاله. هذا الفرق الخفي بين أن تكون حيّاً وأن تكون على قيد الحياة هو فرق نفسي قبل أن يكون فلسفياً، وقد تناولته دراسات كثيرة في علم النفس المعاصر دون أن تُسمّيه بهذا الاسم المباشر وتشير أبحاث العلاج الوجودي، المستندة إلى أعمال فيكتور فرانكل، وتلامذته، إلى أن غياب المعنى لا يُنتج حزناً واضحاً بقدر ما يُنتج فراغاً داخلياً وشعوراً باللاجدوى. الإنسان هنا لا يُعاني لأنه يتألم، بل لأنه لا يشعر.
هذا ما أكدته دراسات لاحقة نُشرت في مجلات مثل Journal of Humanistic Psychology حيث وُجد أن الأشخاص الذين يصفون حياتهم بأنها «فارغة» أو «آلية» يسجلون معدلات أعلى من القلق المزمن والاكتئاب المقنّع مقارنة بمَنْ يمرون بأزمات واضحة لكن يملكون إحساساً بالمعنى.
وتوضّح دراسات الانفصال العاطفي Emotional Numbing أن التعرّض المستمر للضغط، الإحباط، أو الصدمات غير المعالجة يدفع الجهاز العصبي إلى تقليل الاستجابة الشعورية كوسيلة حماية.
في البداية يشعر الإنسان بالتماسك، لكن مع الوقت يفقد القدرة على الفرح والحزن معاً. أبحاث علم الأعصاب النفسي أظهرت أن هذا التخدير العاطفي يرتبط بانخفاض نشاط مناطق الدماغ المسؤولة عن المكافأة والشعور بالحياة، ما يفسر شعور التعب، البلادة، وانطفاء الشغف حتى دون سبب واضح.
فالجسد بدوره لا يبقى محايداً. دراسات الطب النفسي الجسدي تؤكد أن العيش في حالة ضغط نفسي دون وعي أو تفريغ يؤدي إلى أعراض جسدية مزمنة، كاضطرابات النوم، الإرهاق، الصداع، وآلام متنقلة، وكأن الجسد يترجم ما لم يُسمح للنفس بالتعبير عنه.
هنا يتحول الإنسان إلى «قائم بالوظائف» أكثر من كونه كائناً حيّاً متفاعلاً مع تجربته. اما في حال إهمال هذه الحالة فتأكد انه لا يمر دون ثمن. الهوية تبدأ بالتآكل، فيضيع الإحساس بالاتجاه، وتصبح القرارات مؤجلة باسم الحكمة أو الظروف، بينما السبب الحقيقي هو فقدان الاتصال الداخلي. العلاقات تفقد عمقها لأن الحضور يصبح شكلياً، بلا مشاركة وجدانية حقيقية. ومع الزمن يتراكم نوع خاص من الندم، ليس على الأخطاء، بل على الحياة غير المعاشة، وهو من أكثر أشكال الألم النفسي خفاءً وتأثيراً اما عن كيفية التعامل مع هذه الحالة؟ الجواب لا يبدأ بالقفز نحو السعادة، بل بالعودة إلى الحضور.
الخطوة الأولى تكون بالاعتراف الصادق بالحالة دون جلد للذات. مجرد الإقرار بأنك لا تشعر كما يجب يفتح باب الوعي بدل الإنكار. بعدها يأتي استدعاء المعنى اليومي، ليس عبر أسئلة كبرى، بل عبر ملاحظة اللحظات الصغيرة التي تمنح اليوم قيمة، لأن المعنى يُستعاد بالتجربة لا بالتفكير المجرد. كما أن إعادة تدريب الحضور خطوة محورية، حيث تُمارَس لحظات وعي بسيطة تُعيد الاتصال بالجسد والنفس، مثل التنفّس البطيء، المشي الواعي، أو التوقف لالتقاط الإحساس بدل الهروب منه.
هذه الممارسات مدعومة بدراسات اليقظة الذهنية التي أظهرت انخفاض الاجترار النفسي وارتفاع الإحساس بالحياة لدى مَنْ يلتزمون بها بانتظام. وأيضاً تسمية المشاعر بدقة تُعدّ خطوة علاجية بحد ذاتها.
الأبحاث في العلاج المعرفي السلوكي تشير إلى أن المشاعر غير المسمّاة تكون أكثر سيطرة على السلوك من المشاعر المفهومة. حين يعرف الإنسان ما يشعر به، حتى لو كان فراغاً أو مللاً وجودياً، يصبح أكثر قدرة على احتوائه بدل أن يُدار به.
والفعل الصادق يأتي كترجمة داخلية للوعي. القيام بخطوة صغيرة مؤجلة، وضع حد، اتخاذ قرار بسيط لكنه نابع من الذات، يُعيد الإحساس بالاختيار، والاختيار هو جوهر الحياة النفسية. ومع بعض الحالات، يكون الدعم النفسي المتخصص ضرورة لا ترفاً، خاصة حين يكون الانفصال العاطفي قد أصبح نمطاً طويل الأمد، لأن العلاقة مع الذات أحياناً تحتاج وسيطاً مهنياً آمناً لإعادة بنائها.
وأخيراً، وفي المحصلة، الحياة ليست غياب الألم ولا وفرة المتعة، بل القدرة على الإحساس والحضور والاختيار. أن تكون حياً يعني أن تكون مشاركاً في تجربتك الإنسانية بكل ما فيها، لا مجرد ناجٍ منها. والانتقال من مجرد البقاء إلى الحياة الفعلية ليس حدثاً واحداً، بل مسار وعي يبدأ بلحظة صدق ويستمر بخطوات صغيرة لكنها حقيقية.