قبل سنوات كنتُ في زيارة للجنة الدولية للصليب الأحمر، وأثناء زيارة المعرض الذي يحتوي على الكثير من المقتنيات الإنسانية؛ شاهدت ألواحاً خشبية تمتد لأمتار طويلة للأعلى وعليها صور الأطفال الأيتام الناجين من حرب الإبادة في رواندا، وحالياً هم مَنْ يقود زمام الأمور فيها.
وسبب الإبادة هو أنه في شهر أبريل من عام 1994، قتل الرئيس هابياريمانا، في استهداف صاروخي لطائرته، ما أشعل الحرب بين الهوتو والتوتسي، الذين اتهمهم متشددو الهوتو بارتكاب جريمة الاغتيال، بينما اتهمت جهات أخرى جماعات من الهوتو معادية للرئيس بارتكابها، واقترب عدد ضحايا مذابح الإبادة من مليون قتيل من عدد السكان البالغ آنذاك نحو 11 مليوناً، واضطر أكثر من مليونين من الهوتو إلى الهرب من شبح الانتقام إلى زائير المجاورة.
وتحولت رواندا من دولة ممزقة أنهكتها الإبادة الجماعية عام 1994 إلى نموذج تنموي عالمي رائد، يلقّب بـ«سنغافورة أفريقيا». نجحت البلاد في تحقيق نهضة شاملة عبر الاستقرار الأمني، مكافحة الفساد، والتحوّل الرقمي، وساعد في خفض نسب الفقر ورفع متوسط دخل الفرد وعمر المواطن، معتمدةً على حلول محلية ومصالحة وطنية شاملة أعادتها إلى قيادة النمو الاقتصادي في أفريقيا كلها، ولكن كيف حدث ذلك.
بعد تلك الحرب تمكنت الجبهة الوطنية من السيطرة على البلاد، وعين كاغامي، نائباً للرئيس بيزي مونجو، لكن البلاد غرقت في الفوضى في السنوات الخمس التي تلت الحرب، وفشلت الحكومة في إيجاد حل، عاشت البلاد أسوأ فتراتها على الصعيد الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، وبدا الأفق ضيقاً أمام مونجو وحكومته، فتنازل عن منصبه إلى نائبه كاغامي عام 2000.
مع توليه السلطة، حدد كاغامي، هدفين واضحين: أولهما توحيد الشعب، والثاني انتزاع البلاد من الفقر. وشرع الرئيس في خطة من محاور عدة، في مقدمتها تحقيق المصالحة المجتمعية، وإنجاز دستور جديد حظر استخدام مسميات الهوتو والتوتسي، وجرّم استخدام أي خطاب عرقي، ونجحت خطط الحكومة المتنوعة في تحقيق المصالحة بين أفراد المجتمع، وعاد اللاجئون إلى بلادهم، ونظمت محاكم محلية لإعادة الحقوق وإزالة المظالم.
ومع التقدم في الملفات الاجتماعية، وجهت الحكومة طاقتها للتنمية وتطوير الاقتصاد، وقدم الخبراء والمختصون دراسات تحولت لرؤية «رؤية 2020» الاقتصادية، وتشمل 44 هدفاً في مجالات مختلفة.
وتمكنت هذه الأهداف من تحقيق المعجزة، وارتفع متوسط دخل الفرد عام 2015، إلى ثلاثين ضعفاً عما كان عليه قبل عشرين عاماً، ويقول الخبير الاقتصادي الرواندي كليت نييكزا، «لكي تنشئ دولة ناجحة، لا تحتاج إلى إعادة اختراع العجلة، وإنما يكفي أن تستفيد من تجارب الآخرين». وأوفدت الحكومة عدداً كبيراً من اللجان إلى دول أخرى للاستفادة من تجاربها.
وأوجدت الحكومة نظام «الشباك الواحد» للاستثمار، إذ يمكن للمستثمر أن يقوم بجميع الإجراءات القانونية في مكان واحد، ويمكن إنشاء شركة في يوم واحد أو بضع ساعات فقط، وبات اقتصاد البلاد الأسرع نمواً في أفريقيا خلال السنوات التالية. وخلال الفترة بين عامي 2000 و2015، حقق اقتصادها نمواً في ناتجه المحلي بمعدل 9 في المئة سنوياً، وأصبحت واحدة من أهم وجهات المستثمرين والسياح بالعالم.
وتراجع معدل الفقر من 60 في المئة إلى 39 في المئة، ونسبة الأمية من 50 في المئة إلى 25 في المئة، وبحسب تقارير أفريقية فإن رواندا شهدت التطور الاقتصادي الأكبر على مستوى العالم قبل سنوات، وارتفعت قيمة الناتج الإجمالي المحلي إلى نحو 8.5 مليار دولار العام 2016 بينما كان نحو 2.6 مليار عام 2005، وهو في تصاعد مستمر إلى هذا العام.
ومن أهم ركائز قصة نجاح رواندا النهضة الاقتصادية حيث خفضت نسبة الفقر من 64 في المئة إلى 30 في المئة، ورفعت دخل الفرد بنحو 30 ضعفاً، مستهدفةً أن تصبح دولة ذات دخل متوسط أعلى بحلول 2035. والثورة الرقمية والتعليم حيث استثمرت في البنية التحتية الرقمية، وأطلقت أقماراً اصطناعية للاتصالات، وتفوقت في التعليم بانتظام دراسي تجاوز 97 في المئة في المرحلة الابتدائية.