... في عهد الرئيس الأميركي دونالد ترامب، لم تتخلَّ الولايات المتحدة وإسرائيل عن هدف اسقاط النظام في إيران. فبعد فشل محاولات متكررة لتغيير النظام في إحداث انهيار داخلي أو ظهور قيادة بديلة قابلة للاستمرار، تحوّل التركيز نحو إستراتيجيات «الاغتيالات»، سواء كانت سياسية أو عسكرية أو رمزية، بهدف إضعاف النظام الحاكم. وينطلق هذا النهج من فرضية مفادها بأن إزالة مراكز السلطة الرئيسية قد تُؤدي إلى شلل شامل. إلا أن التجارب السابقة تُشير إلى عكس ذلك: فقد ساهم هذا النوع من الضغط الخارجي في تعزيز التماسك الداخلي بدلاً من تفتيته. وفي ظل هذه الخلفية، تبدو الأيام المقبلة بالغة الأهمية بالنسبة إلى إيران ومنطقة الشرق الأوسط عموماً.

من جانبها، تُسيطر إيران على استقرارها الداخلي، وقد انتهت جميع الاضطرابات. وتستعد الآن لحرب محتملة لا تسعى إليها، لكنها تُؤمن في شكل متزايد بأنها قد تُضطر لخوضها عاجلاً أم آجلاً.

ولا ينبع الموقف العسكري الحالي لطهران من التبجح الأيديولوجي أو الرغبة في التصعيد، بل من إعادة تقييم رصينة شكّلتها المواجهات الأخيرة. إذ كشف الاشتباك الأميركي - الإسرائيلي القصير، وإن كان حاداً، والذي استمر لأقل من أسبوعين، عن نقاط ضعف عدة. كان من أبرزها إدراك أن الحرب الحديثة عالية الكثافة لا يمكن خوضها باستخدام أنظمة الاتصالات الغربية، أو هياكل القيادة المكشوفة، أو الأصول العسكرية الظاهرة.

بالقدر نفسه من الأهمية، كان الاستنتاج بأن الردع، بما في ذلك الإشارات النووية، لا جدوى منه ما لم يتم تأمين الجبهة الداخلية أولاً ضد الاضطرابات النظامية، والصدمات الاقتصادية، والضغط الجوي المستمر. لذا خرجت إيران من هذه التجربة مقتنعة بأن أي حرب مستقبلية لن تكون محدودة أو محلية، وستشمل الولايات المتحدة في شكل مباشر على الأرجح.

ووفقاً للإحاطات المقدمة لترامب، زعمت إسرائيل أن أكثر من 5000 إيراني قُتلوا على يد قوات الأمن. استُخدمت هذه الأرقام لتشكيل الرواية ومحاصرة الرئيس الأميركي سياسياً بعد تعهداته العلنية بالدفاع عن المتظاهرين. كان الهدف هو دفع ترامب الذي نصّب نفسه رئيساً للسلام نحو عمل عسكري، إما من خلال ضربات مباشرة أو حملات قصف محدودة، على غرار نموذج طُبّق سابقاً على فنزويلا، ولكن على نطاق أوسع بكثير وأكثر زعزعة للاستقرار. كان التمني الإسرائيلي أن مثل هذه الهجمات ستستفز رداً إيرانياً، مما يُشعل فتيل تصعيد قد يتطور إلى حرب أوسع.

في غضون ذلك، سحبت الولايات المتحدة عدداً من قواتها وأفرادها من قاعدة العديد الجوية في قطر وقواعد رئيسية أخرى في الشرق الأوسط. وقد انخفضت الرحلات الجوية التجارية والمدنية فوق المجال الجوي الإيراني في شكل حاد لساعات عدة، في مؤشر احترازي على أن خطر المواجهة العسكرية مازال قائماً. ومع ذلك، قد تسعى طهران إلى حصر أي رد على أهداف محددة بدقة، مُظهرةً عزمها في محاولة لخفض التصعيد بدلاً من الانزلاق إلى صراع غير مرغوب فيه. إن حرباً شاملة ستزيد من تدهور اقتصاد مُنهك أصلاً بعقود من العقوبات والعزلة المالية، مما يرفع التكلفة المحلية للتصعيد في وقت تشهد هشاشة اقتصادية حادة.

أما بالنسبة إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، فالحسابات الاستراتيجية والسياسية مختلفة. فالسماح لثلاث سنوات أخرى من رئاسة ترامب بالمرور من دون مواجهة مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران سيمثل فرصة ضائعة، لأن الحرب مع إيران مازالت تشكل ركيزة أساسية في الخطاب السياسي لنتنياهو، مما يعزز موقعه الانتخابي وادعاءه القديم بأنه أعاد تشكيل الشرق الأوسط لمصلحة إسرائيل ضد كل الجهات الفاعلة الحكومية وغير الحكومية التي تحدت ذلك.

البقاء والصمود يسبقان الردع

الاستنتاج الرئيسي الذي تم التوصل إليه في طهران هو أن البقاء والصمود باتا يسبقان الردع. إذ يجب تصميم الصواريخ وأنظمة الدفاع الجوي والقدرات الصاروخية ومراكز القيادة والسيطرة ومصانع الانتاج بحيث تتحمل الصدمة الأولى للحرب، لا أن تهيمن عليها.

لم يعد المخططون الإيرانيون يفترضون أن الردع يمكن التعبير عنه من خلال الظهور أو الوضع العسكري أو التصريحات العلنية. بدلاً من ذلك، يُفهم الردع في شكل متزايد على أنه عجز الخصم عن القضاء على قدرة إيران على الرد بعد الموجة الأولى من الضربات وكذلك الضربات المتتالية. هذا التحول يدعم عملية إعادة الهيكلة الهادئة ولكن الواسعة النطاق الجارية حالياً في القوات الصاروخية الإيرانية وبنيتها الدفاعية والجبهة الداخلية.

لم تُسفر حرب الأيام 12 في يونيو، عن نصر أو هزيمة حاسمة لأي طرف، لكنها كشفت الثغرات الاستراتيجية. في ساعاتها الأولى، أظهرت إسرائيل قدرتها على اختراق المجال الجوي الإيراني، وتدمير نقاط الدفاع الجوي، واستغلال نقاط الضعف الناتجة عن الأنظمة المكشوفة وأنماط الانتشار المتوقعة. فتم تدمير عشرات من أصول الدفاع الجوي في وقت مبكر، العديد منها منصات ثابتة أو شبه متحركة تم تحديد مواقعها قبل وقت طويل من بدء الأعمال العدائية. أدت الضربات الدقيقة والحرب الإلكترونية والتنسيق الاستخباراتي الفوري إلى تعطيل هذه الأنظمة قبل أن تتمكن من أداء دور مستدام في الدفاع عن المجال الجوي الإيراني.

وكان مصير قوات الصواريخ المتنقلة الإيرانية كارثياً بالقدر نفسه. فقد أثبتت أنظمة الصواريخ المنقولة بالشاحنات، والتي طالما اعتُبرت خياراً مرناً وقابلاً للنجاة، أنها شديدة الضعف بمجرد أن غُمرت الطرق والمستودعات وخطوط الإمداد بالمراقبة. تم رصد عدد كبير من هذه المنصات، والاشتباك معها، وتدميرها قبل أن تتمكن من الوصول إلى مواقع إطلاق فعّالة. أصبحت القدرة على الحركة، التي كان يُفترض أن توفر التمويه، نقطة ضعف عندما أدى التحرك نفسه إلى كشفها.

من وجهة نظر طهران، لم تكن هذه النتائج حالات شاذة، بل مؤشرات هيكلية. فقد كشفت أنه في صراع تهيمن عليه المراقبة المستمرة، وتتبع الأقمار الاصطناعية، وشبكات الضربات المتكاملة، فإن أي أصل يجب أن يتحرك أو يُصدر أو يتواصل فوق الأرض خلال المرحلة الأولى من الحرب من غير المرجح أن ينجو.

لا يُمكن توقع أن تصمد أنظمة الدفاع الجوي، مهما بلغت من التطور، أمام قمع مركز إذا كانت مرئية وتعتمد على الشبكة. منصات إطلاق الصواريخ التي تعتمد على الحركة البرية تُصبح مكشوفة بمجرد بدء الصراع.

كان رد إيران عقائدياً لا شكلياً. فالقوة الصاروخية الإيرانية المستقبلية لا تُصمم لاستعراضات عسكرية أو عمليات إطلاق تُبث تلفزيونياً، بل تُدفن تحت الأرض. تشكل الصوامع تحت الأرض، والأنفاق المحصنة، ومستودعات التخزين السرية، وبنية الإطلاق المُجهزة مسبقاً، جوهر استراتيجية الردع الإيرانية. سيتم إطلاق الصواريخ من تحت سطح الأرض، بأقل وقت تعرض ممكن، واعتماد أقل على روابط القيادة والسيطرة المعرضة للخطر. في هذا النموذج، تتحقق القدرة على البقاء من خلال التمويه، والعمق، والتكرار، بدلاً من الدفاع النشط وحده.

هذا لا يعني أن إيران تتخلى عن الدفاع الجوي، بل إنها تعيد تعريف دوره. تُنظر إلى الأنظمة الدفاعية في شكل متزايد على أنها أدوات للحد من الأضرار، وليست دروعاً قادرة على منع الوصول كلياً. لم يعد الهدف منع الاختراق، بل تعقيد عملية الاستهداف، وامتصاص الضربات، والحفاظ على قدرة كافية لضمان الرد. وعززت الحرب حقيقة قاسية: التفوق الجوي لا يُترجم إلى إغلاق استراتيجي. الضربات الدقيقة تُربك العدو، لكنها لا تُجبره على الاستسلام. تُقلل أنظمة الاعتراض من الأضرار، لكنها لا تقضي عليها تماماً. ما يُحدّ من التصعيد في نهاية المطاف ليس ضبط النفس، بل عدم اليقين في شأن ما سيبقى سليماً بعد انتهاء المواجهة الأولى.

تتجاوز هذه الدروس مجرد المعدات. كان من أهم الاستنتاجات التي تم التوصل إليها في طهران هشاشة أنظمة الاتصالات المعتمدة على الغرب. كشف الصراع كيف أن الاعتماد على التقنيات الأجنبية والأقمار الاصطناعية التجارية والدعم الخارجي يُعرّض للخطر. يُؤدي كشف شبكات البيانات إلى هشاشة النظام. وسرعان ما تسبّب انقطاع الاتصالات في تأخيرات في القيادة، وإخفاقات في التنسيق، واختناقات في عملية صنع القرار. ومنذ ذلك الحين، كثّفت إيران جهودها لتعزيز البنية التحتية للاتصالات الداخلية، وتقليل الاعتماد على الخارج، وتوزيع سلطة القيادة بحيث لا يتوقف الرد على إستمرارية الإتصال.

لذا، أصبحت الجبهة الداخلية أولوية إستراتيجية. ويُقرّ المسؤولون الإيرانيون الآن صراحةً بأنّ جاهزية الصواريخ والوضع النووي ثانويان إذا انهار النظام الداخلي تحت الضغط. وقد أبرزت الحرب كيف يُمكن للاضطرابات الاقتصادية، وصدمات الطاقة، والتدخلات السيبرانية، والعمليات النفسية أن تُشلّ المجتمع حتى قبل بدء العمليات العسكرية المستمرة. وتُدمج استعدادات إيران الآن في شكلٍ صريح الدفاع المدني، والاستمرارية الاقتصادية، والأمن الداخلي كمكونات للردع، لا كاعتبارات ثانوية.

ويعكس هذا التغيير في التقييم أيضاً فهماً أوسع لديناميكيات التصعيد. فخلال الحرب، لم يكن التصعيد مقيداً بالنيات الحسنة الدبلوماسية، بل بالخوف من التوسع الخارج عن السيطرة. لم يستطع أي من الطرفين ضمان عدم تسبب ضربة أعمق في رد فعل إقليمي أوسع أو مواجهة مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران. استوعبت طهران هذا المنطق. لم يعد هدفها مجاراة إسرائيل أو الولايات المتحدة في الضربات، بل ضمان انهيار أي محاولة لفرض نتيجة عسكرية حاسمة في دوامة من عدم اليقين الإستراتيجي.

في هذا السياق، لا يهدف برنامج الصواريخ الإيراني إلى الهيمنة الفورية على ساحة المعركة، بل هو مصمم لحرمان الخصم من الثقة بأن التصعيد سيؤدي إلى خضوع سياسي. من خلال ضمان بقاء جزء كبير من قوتها الصاروخية سليماً بعد الهجوم الأولي، تسعى إيران إلى فرض تهديد مستمر لا يمكن تحييده بحملة واحدة. وهكذا، يُعاد تعريف الردع على أنه صمود.

يفسر هذا النهج أيضاً ضبط النفس الإيراني في الإشارة إلى موقفها النووي. فقد ميّزت طهران بوضوح بين القدرة النووية وقابلية استخدامها. ولن يأتي أي اعتراف علني بالتقدم إلا عندما تُقرر أنها قادرة على الدفاع عن منشآتها، واستيعاب الرد، ومواصلة المواجهة لفترة طويلة. وحتى ذلك الحين، يخدم الغموض مصالحها في شكل أفضل من الإعلان. يُنظر إلى التلويح النووي دون أنظمة إيصال فعّالة وجبهة داخلية قوية على أنه عديم الجدوى إستراتيجياً.

العمق الدفاعي

وتمتد تداعيات هذا التحول لتشمل المنطقة بأسرها. وقد شُجّع حلفاء إيران وشركاؤها على استخلاص استنتاجات مماثلة في شأن وضوح الرؤية، والقدرة على البقاء، والصمود. ويتزايد التركيز على البنية التحتية تحت الأرض، والقيادة اللامركزية، والقدرة على القتال في ظل الاضطرابات بدلاً من منعها. والمنطق ليس التوسع الهجومي، بل العمق الدفاعي.

من المهم ألا تُفسّر استعدادات إيران على أنها مقدمة لحرب وشيكة. فهي تعكس افتراضاً معاكساً: وهو أن الحرب باتت تُفرض على الأرجح بدلاً من أن تُختار. هدف طهران هو رفع عتبة جاذبية العمل العسكري لخصومها، وذلك بضمان عدم قدرة أي حملة على الفوز بنتائج سريعة أو حاسمة. ويجري نقل تكلفة الحرب من الساعات الأولى إلى المدى الطويل للمواجهة المستمرة.

وتُهيمن الولايات المتحدة على هذه الحسابات. إذ يفترض المخططون الإيرانيون أن أي صراع كبير مع إسرائيل سيستدعي واشنطن في نهاية المطاف، سواء من خلال الضربات المباشرة، أو التكامل الاستخباراتي، أو الدعم اللوجستي. لقد قضى هذا الافتراض على أي اعتقاد متبقٍ بإمكان إحتواء حرب مستقبلية جغرافياً أو سياسياً. ولذلك، يجري التحضير مع وضع الخصم الأكثر تحدياً في الاعتبار، لا الأقرب.

ويتبين من هذه المراجعة عقيدة راسخة في الإنكار لا في الهيمنة. إيران لا تستعد لكسب حرب بالمعنى التقليدي، بل تستعد لضمان عدم قدرة أي خصم على كسبها بسرعة أو بتكلفة زهيدة أو في شكل حاسم. تُدفن الصواريخ لا للتهديد، بل للصمود. تُعاد هيكلة أنظمة الدفاع لا لصد كل ضربة، بل للحفاظ على قدرة كافية للرد. تُعزز الجبهة الداخلية لا للتعبئة، بل للبقاء.

بهذا المعنى، فإن موقف إيران الحالي دفاعي، ولكنه ليس سلبياً. فهو يتشكل من خلال فهم أن الحرب الحديثة تعاقب الظهور، وتكافئ الصمود، وتُفضل من يستطيع مواصلة العمل بعد تلاشي وهم النصر الأول. لم تغب دروس حرب الأيام 12 عن طهران. لقد تم استيعابها، وترجمتها إلى عقيدة، ودمجها بهدوء في بنية عسكرية مصممة لصراع تأمل إيران في تجنبه، لكنها لم تعد مستعدة لأن تكون غير متحوطة له.