سيمضي بعض الوقت لتتضح طبيعة الوقائع الجديدة في العراق في ضوء نتائج الانتخابات ومفاجآتها، وخريطة التحالفات التي من شأنها تظهير صورة رئيس الوزراء المقبل.

وفي غمرة الحراك الذي أفرزته نتائج صناديق الاقتراع، بدأت ترتسم ملامح التحديات، داخلية كانت أو خارجية، والتي ستواجه زعيم «التيار الصدري» السيد مقتدى الصدر بعدما بدا أنه سيمسك بالقرار في بغداد.

التحديات الخارجية التي تنتظر العراق ليست سهلة، خصوصاً أن صداها يتردد في بغداد وعواصم دول الجوار، التي تنتظر ما ستؤول إليه الاستحقاقات المقبلة، لا سيما خروج القوات الأميركية والسعي لبناء علاقات قوية مع المملكة العربية السعودية وإيران.

وفي ملاقاة تلك الاستحقاقات يقفز إلى الواجهة سؤال محوري: هل يفهم الغرب سياسة زعيم «التيار الصدري»؟ وهل يثق به وهو الذي أصبح صاحب كلمة الفصل في العراق؟

لن يستطيع الصدر تشكيل حكومة جديدة من دون تحالفه مع السنة والأكراد. وهذه رغبته، لكنه سيجد نفسه مضطراً على عكس ما عرف به، إلى تليين موقفه من بعض القضايا والتعاطي معها بمرونة، على غرار المسألة المرتبطة بقرار مجلس النواب الذي اتخذ في يناير 2020 في شأن انسحاب القوات الأميركية.

في ذاك اليوم صوت رئيس البرلمان محمد الحلبوسي إيجاباً مع غالبية 183 صوتاً على قرار طالب القوات الأميركية بالخروج غداة اغتيال قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس، لكن ذلك لم يحل دون خروج الحلبوسي ليعلن من أمام البرلمان وعلى مرأى من كاميرات وسائل الإعلام الدولية، أن ما اتخذ هو «قرار شيعي».

ما أعلنه رئيس البرلمان العراقي آنذاك يعكس موقفه الحقيقي الرافض لخروج القوات الأميركية، وهو موقف يتعارض مع ما طالب به زعيم «التيار الصدري» يوم دعا إلى تظاهرة مليونية تنديداً بالاغتيال الأميركي لسليماني والمهندس.

أما التحدي الآخر هو الموقف السياسي للزعيم الكردي مسعود البرزاني: «كردستان تعلن جهاراً رغبتها ببقاء القوات الأميركية وعدم مغادرتها قاعدة حرير ولا مطار أربيل».

بالإضافة إلى ذلك فقد أعلن الصدر في مقابلة تلفزيونية أنه يعتبر قوات البشمركة ميليشيات كردية وهذا لا يتناسب مع سياسة البرزاني، وتالياً فلا يمكنه المطالبة والمباشرة بحل الفصائل العراقية الشيعية دون الكردية وإلا سيتعرض ليس فقط للانتقاد الشديد، بل سيتهم باستهداف إيران كون تلك الفصائل محسوبة على طهران.

ولعل من التحديات المهمة هي إمكان بناء جسور الثقة بين الصدر والغرب.

فعلاقة السيد مقتدى معه لم تكن يوماً ودية رغم اتهامات خصومه بأنها «تواطؤية» وهذا الاتهام غرضه سياسي داخلي محض لا أساس له. بل على عكس من ذلك فإن خطاب الصدر متعلق بالظروف التي كان العراق يمر بها.

وتالياً فإن مستقبل العلاقة بينه وبين والغرب يتعلق بالطريقة التي يخاطبه بها ويتقرب منه من دون الإذعان له. فهو يريد مساهمة الغرب بتنمية العراق. وتقديم المساعدة له كشريك وليس كتابع.

وهذا التوازن مهم جداً وحساس لأن الصدر لم يكن يوماً منفتحاً عليه ولا يجيد كيفية التقرب منه لإقامة توازن معه.

أما إيران فهي ستتقدم من الأحزاب السياسية للوقوف على مشروعها وعلى نياتها في التحالف لمجابهة الصدر... فهل يستطيع نوري المالكي بناء تحالف مع الأحزاب الكردية والسنية والشيعية لسحب «لقمة» رئاسة الوزراء من فمه؟ وهل يستطيع السيد مقتدى بعث رسائل إلى إيران تطمئنها أن حاكم العراق الجديد لن يتجه لضرب نفوذها والعمل على إخراجها والإبقاء على عدوها الأميركي؟ هل ستحتاج طهران للاستمرار بإطلاق الرسائل الصاروخية لأميركا لتذكيرها بضرورة الخروج من العراق أم سينجح السيد مقتدى بإقناعها بأن مصلحتها تقتضي إنشاء علاقة مميزة مع الدولة العراقية دون سواها من الأطراف الداخلية كونها الضامنة لمصالحها والتي لا تختلف عن أهدافها؟ وهل سيقنع أميركا بأنه لن يرتمي في أحضان إيران في الوقت عينه؟

تحديات كبيرة داخلية وخارجية أمام الصدر. فلا يمكن للآخرين تجاهله ولا يمكنه تجاهل الآخرين في الداخل والخارج.

في 7 نقاط بينها إبعاد العراق عن الصراعات

الصدر يحدّد أسس التعامل مع أميركا:

حوار جاد... واحترام السيادة

حدّد زعيم «التيار الصدري» مقتدى الصدر، أمس، سبع نقاط لخروج العراق من «التبعية لأي أحد»، مطمئناً في ذات الوقت بأن التعامل مع الولايات المتحدة في حال قيادة تياره الحكومة المقبلة سيكون على كل الأصعدة «كدولة مع دولة».

وقال الصدر في بيان، «لعل من أهم ما ينتظره العالم في تسلم التيار الصدري رئاسة الوزراء هو موقفنا من (أميركا) أو (الاحتلال)»، مضيفاً «فهنا أقول: لنا بعض النقاط المهمة التي تخرج العراق من التبعية لأي أحد».

وأوضح الصدر موقفه في سبع نقاط:

1 - «على أميركا التعامل مع الحكومة العراقية بالمثل ديبلوماسياً وعلى كل الأصعدة، بمعنى تعامل دولة مع دولة كاملة السيادة.

2 - الحوار الجاد والفاعل في ما يخص بقاء قواتها ومعسكراتها وطائراتها وبوارجها وتدخلاتها في العراق.

3 - ثورات الشعب ومظاهراته شأن داخلي، وأمر لا يعنيها لا من قريب ولا من بعيد.. وكلها ثورات وطنية، يجب أن تكون خالية من التأثير الخارجي.

4 - إبعاد العراق أرضاً وجواً وبحراً وشعباً عن صراعاتها الإقليمية أياً كانت، ولن نسمح بغير ذلك من الجميع.

5 - نحن عراقيون، لا شرقيون ولا غربيون.. نريد العيش بسلام.. وكل ما يعارض ذلك فلنا رد مناسب.

6 - سنتعامل معها اقتصادياً أو على أصعدة أخرى إذا ما تحققت النقاط آنفة الذكر، وإلا فلا يمكن أن نرضخ للضغوط والتبعية.

7 - في حال عدم تحقق ما سبق، فهذا يعني أنها دولة معادية للعراق، ولا تريد له الاستقلال والسيادة والاستقرار، فكما أن الحوزة والاستعمار ضرتان لا تجتمعان، فإن العراق والاحتلال عدوان لا يجتمعان».