تُقام حالياً فعاليات بطولة كأس العالم 2026، بتنظيم مشترك بين الولايات المتحدة الأميركية، وكندا، والمكسيك، وهي النسخة الأولى التي تشهد مشاركة 48 منتخباً، لذلك من المهم الحديث عن هذه البطولة ومدى الاستفادة منها في دول الخليج بعد استضافة قطر لها والسعودية في المقبل من الأيام بإذن الله تعالى.

وهناك العديد من الدروس التي نستفيد منها عندما نظّمت قطر كأس العالم 2022، والمملكة العربية السعودية ستنظمه 2034، والعامل الرئيسي في تنظيم مثل هذه البطولات العالمية هو الجانب الاقتصادي، ولعل من أهم القطاعات المستفيدة من تنظيم مثل هذه البطولات هو قطاع المقاولات والعقار، والسياحة والضيافة، الطيران والنقل، والترفيه والتجزئة، وتنظيم مثل هذه الفعاليات يساعد الدول في سرعة تحقيق خطط التنمية.

وبطولة كأس العالم التي كانت في قطر قبل 4 سنوات 2022، بلغت تكلفتها 220 مليار دولار، وحتى نعرف حجم المبلغ وضخامته إذا علمنا أن روسيا أنفقت 11 مليار دولار في كأس العالم عام 2018، وفي عام 2014 أنفقت البرازيل 15 مليار دولار، وأنفقت جنوب أفريقيا 3.6 مليار دولار في كأس العالم عام 2010، وهذا يبيّن حجم الانفاق الخليجي على مثل هذه البطولات.

وأعلنت قطر عن خطة التنمية تحت عنوان «رؤية قطر الوطنية 2030»، وهي خطة تهدف إلى بناء دولة عصرية حديثة في «مجتمع متقدم قادر على الحفاظ على تنميته وتوفير مستوى معيشة مرتفع لشعبه»، وهذا ما يفسر الرقم الكبير الذي كلّف لبطولة كأس العالم في قطر 2022، حيث إن معظم المبالغ ذهبت إلى مشاريع البنية التحتية مثل الطرق ومترو الأنفاق والمطار والمرافق السياحية، بمعنى أن استضافة كأس العالم والمشاريع التي أقيمت هي جزء من رؤية قطر 2030، وهو ما ذكرته اللجنة العليا للمشاريع والإرث، المسؤولة عن متابعة ملف استضافة قطر لكأس العالم قطر 2022، وهذا من أحد أهم الدروس أن استضافة قطر لكأس العالم ساعد في سرعة مشاريع رؤية قطر.

أما المملكة العربية السعودية فتستعد لاستضافة كأس العالم 2034، ويذكر تقرير صادر عن شركة صكوك المالية، سؤالاً اقتصادياً رئيسياً: كيف يمكن تحويل بطولة تستمر شهراً واحداً إلى قيمة اقتصادية تمتد لسنوات بعد انتهاء المونديال؟ والذي يحمل عنوان «من مونديال 1930 إلى السعودية 2034»، عن هذا التساؤل من خلال استعراض التحوّل الذي شهدته بطولة كأس العالم على مدى نحو قرن، وكيف أصبحت واحدة من أكبر المشاريع الاقتصادية المرتبطة بالرياضة.

ويضيف التقرير إلى أن كأس العالم، الذي انطلق عام 1930 بمشاركة 13 منتخباً فقط، تحوّل إلى مركز للتنافس بين الدول، ليس فقط داخل المستطيل الأخضر، بل أيضاً على شرف الاستضافة، التي باتت تُعامل باعتبارها استثماراً اقتصادياً أكثر من كونها فعالية رياضية، وأن هذا التحوّل يفسر إنفاق الدول عشرات المليارات من الدولارات للفوز بحق استضافة البطولة، إذ لا يقتصر الإنفاق على بناء الملاعب، بل يمتد إلى مختلف مشاريع البنية التحتية بهدف تنشيط الاقتصاد.

ويشير التقرير إلى أن ملف استضافة السعودية لكأس العالم 2034 يرتبط بشكل مباشر بمستهدفات رؤية 2030، مقدراً الميزانية الإجمالية للمونديال بما يتراوح بين 167 و250 مليار دولار، وتتوزع هذه الميزانية على بنود رئيسية عدة، يأتي في مقدمتها تطوير قطاع النقل والبنية التحتية، الذي يستحوذ على نحو 40 % من إجمالي الإنفاق، يليه بناء الملاعب بنسبة 22 %، إلى جانب بنود أخرى تشمل الفنادق والأمن والتسويق، وأضاف التقرير أن مونديال 2034 بالنسبة للسعودية لا يمثل مشروعاً منفصلاً، بل يأتي امتداداً لمسار التحوّل الاقتصادي الذي تقوده رؤية 2030.

ولعل تنظيم مثل هذه المناسبات العالمية في دول الخليج يتطلب منها الانتقال من مرحلة التعاون إلى مرحلة التكامل الاقتصادي، وهذه فرصة كبيرة لترتيب العديد من الملفات، فما يجمع هذه الدول أكثر بكثير عما يفرقها، فهناك العمق الجغرافي، والقوة الاقتصادية الكبيرة القادرة على حل الكثير من المشاكل العالقة... ونتمنى التوفيق للمملكة العربية السعودية.