حروف نيرة

حين يخسر الوطن كفاءاته!

تصغير
تكبير

يسعى كثير من الشباب إلى تحقيق طموحاتهم بالعلم والاجتهاد، مؤمنين بأن الطريق إلى النجاح يمر عبر الكفاءة والعمل الجاد. غير أن ظاهرة الواسطة والمحسوبية كثيراً ما كانت تخل بهذا الميزان العادل، فتضعف قيمة الجهد، وتُهدر طموحات الكثيرين.

حين يُحرم الطالب المتفوق، أو الموظف المخلص، من فرصة يستحقها، لأنه لا يمتلك واسطة، يتحول الاجتهاد والتعب في نظر كثيرين إلى أمر ثانوي لا قيمة له. وهذا الأمر يترك أثراً نفسياً عميقاً، فيورث الإحباط، وقد يدفع صاحبه إلى التوقف عن تطوير نفسه، إذ كيف ينهض مجتمع إذا كان معيار التقدم هو العلاقات لا الكفاءة؟

والأشد خطورة أن الواسطة التي استشرت في سنوات مضت لا تظلم المستحقين فحسب، بل تُسند المسؤوليات إلى من لا يملك العلم أو الخبرة، فيُقدَّم من لا يستحق، ويُقصى أصحاب الكفاءة. وعندها تتراجع جودة العمل، وتكثر الأخطاء، وتتباطأ عجلة الإنتاج، لأن المواقع الحساسة آنذاك لم تُبنَ على الجدارة، بل على المحاباة.

وقد حذّر الحديث الشريف من ذلك: (إذا وُسِّد الأمرُ إلى غير أهله فانتظر الساعة).

ولا تقف آثار الواسطة عند الأفراد، بل تمتد إلى الوطن كله؛ فالدولة التي تُهمِّش أصحاب الكفاءات تخسر أعظم ثرواتها، وهي العقول المؤهلة التي أنفقت سنوات في طلب العلم واكتساب الخبرة.

وقد يبقى كثير من هؤلاء مجمَّدين في أماكن لا تتيح لهم الإبداع ولا الاستفادة من قدراتهم، فتضيع طاقاتهم، ويضيع معها ما استثمره المجتمع في إعدادهم.

وإذا استمر هذا الواقع، سيفقد بعض الشباب الأمل في الحصول على فرصة عادلة داخل وطنه، فتتجه أنظارهم إلى الهجرة، بحثاً عن بيئة تُقدِّر علمهم، وتمنحهم الفرصة لتحقيق ما اجتهدوا سنوات طويلة من أجله.

وهكذا تستفيد دول أخرى من خبراتهم وإبداعاتهم، بينما يخسر وطنهم أبناءه الأكفاء الذين كان يمكن أن يسهموا في نهضته وتقدمه.

ويبدأ علاج هذه الظاهرة بترسيخ قيم النزاهة وتكافؤ الفرص، وتطبيق أنظمة واضحة تمنع التعيين أو الترقية إلّا على أساس الكفاءة والجدارة، مع نشر الوعي بأن الواسطة ليست مدعاة للفخر، بل ممارسة تضر بالفرد والمجتمع، وأن العدالة أساس قيام المجتمعات وتقدمها، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ النحل: 90.

قد تحقّق الواسطة منفعة موقتة لبعض الأفراد، لكنها تنشر الظلم، وتُشيع الفساد، وتُضعف الثقة بين أبناء المجتمع. ومن يسلب الحق من أهله، ويمنح المكانة لمن لا يستحق، فقد ظلم الأفراد، وأضر بالمؤسسات، وأسهم في إضعاف الوطن.

إنّ العدل، وإحياء الضمير، والخوف من الله تعالى، هي الضمان الحقيقي لحفظ حقوق المجتهدين، ووضع كل إنسان في مكانه الذي يستحقه. فبالعلم والكفاءة تُبنى الأوطان، أما الواسطة والمحسوبية فلا تصنع إلا الإحباط، وتكسر القلوب، وتُعطِّل الطاقات، وتؤخر تقدم البلاد.

الحديث عن هذه المشكلة ضرورة؛ لأنها ليست ظلماً يقع على موظف أو خريج فحسب، وإنما هي خللٌ يصيب المجتمع كله، ويؤثر في مستقبله. ولعل كلمة صادقة، أو سطراً مخلصاً، يحرك الضمير، أو يردع من ظلم الشباب، أو يفتح باب خير يرد الحقوق إلى أهلها، ويعيد للكفاءة مكانتها التي تستحقها. مشيدين هنا بالجهود التي تبذل حالياً لترسيخ العدالة والكفاءة والقضاء على الواسطة والمحسوبية.

aaalsenan @

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي