الحياة سفر كبير، الذي يتصفحهُ يدرك مواهب عظيمة، وأعمالاً جليلة، وخطوات نبيلة، لأشخاص جدّوا واجتهدوا، وبذلوا كل ما في وسعهم من أجل إسعاد الآخرين.
من هؤلاء السيدة الفاضلة كميلة حسين صالح السماك (أم عدنان)، التي غادرت هذه الدنيا في الأسبوع الماضي.
أمٌّ جاهدت في رعاية أبنائها كي يحققوا ما يصبون إليه من مكانة.
وصدق الدكتور/ أحمد الوائلي، حين قال:
أماه قد شاب رأسي وانطوى العُمر
ولم يزل ملء أنفي جيبك العطرُ
أماه لو أن الجنات موقعها
من تحت رجليك فيما ينقل الخبرُ
فما بصدرك من خيرٍ ومن كرمٍ
يظل أكبر مما تحدس الفكرُ
أم عدنان، قنديلٌ، الذي ينظر إليه يتأمل العزيمة والإصرار والجهاد من أجل إسعاد الآخرين.
نعم، ينطبق عليها قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، (المؤمنون في الدنيا هم أهل الفضائل، منطقهم الصواب وملبسهم الاقتصاد ومشيهم التواضع، غضوا أبصارهم عما حرم الله عليهم، ووقفوا أسماعهم على العلم النافع لهم، قلوبهم محزونة، وشرورهم مأمونة).
رحم الله جميع الأمهات اللاتي غادرن إلى الله الكريم، وأطال أعمار الأمهات اللاتي يجتهدن ويخلصن في سبيل تربية وتنشئة أولادهن بإخلاص حتى يصلوا إلى أعلى الدرجات، ومهما عمل الأهلون تجاه أمهاتهم فإنهم مدينون لهن في إخلاصهن في مجال التنشئة والرعاية والتربية.
نعم:
الأم مدرسةٌ إذا أعددتها
أعددت شعباً طيب الأعراقِ
إن الشعوب المزدهرة والمتألقة والزاهرة لا تحقق ذلك إلا بحسن رعاية وتربية وإعداد الأمهات.
إن المتأمل لإصرار الأمهات واجتهادهن في رعاية الأبناء وتقديم كل ما يسعدهم من أجل بلوغ أمانيهم يقف حائراً في اختيار المفردات والعبارات والأقوال التي توفي الأمهات أجورهن.
لله درّك أيتها الأم التي لا تنام حتى يهدأ أبناؤها! وإذا مرض أحدهم فإن السقم يصيب قلبها قبل أن يشعر به أبناؤها، وإذا ما خرج أحدهم من البيت تظل ساهرة حتى يعود وتطمئن عليه ثم يصل الكرى إلى عينيها.
اللهم بارك لأم عدنان في حلول دار البلاء، وطول المقامة بين أطباق الثرى، واجعل القبر بعد فراق الدنيا خير منزل لها، واخلف على أهلها وذويها ومحبيها بالصبر والسلوان، إنك ولي ذلك والقادر عليه.
صدق الأديب المتألق/ سيد قطب، حينما خاطب أمه بقوله:
أماه هأنذا رجعت فنامي
موفورة الآمال والأحلام
مازلتِ يقظى لا يلم بخاطر
منك النعاس وأنت بين نيام
تتسمعين الوهم من خطوي إذا
حمل الهواء صدى من الأقدام
وتحدقين بكل جارحة ترى
ما بين طيات الظلام الطامي
وتصوغ أوهام الحنان مخاوفاً
حولي فيدفعها الرجاء الظامي
وترينني الطفل الذي ترعينه
بالعطف رغم شهادة الأعوام
حتى أعود فأنت باسمة ودا
معة معاً في لهفةٍ وأوام
فإذا يدي بيديك تلتمسينها
هرباً من الأشباح والأوهام
في أمان الله يا أم عدنان!