مع كل بطولة لكأس العالم، أو دورة أولمبية، أو إعلان لنتائج الجامعات العالمية، أو كشف لأسماء الفائزين بجوائز الابتكار والاختراع، يتكرر السؤال ذاته في أذهان كثير من الكويتيين: أين نحن من هذه المنافسات العالمية؟
لا يتعلق الأمر بالرياضة فقط، بل بالفنون والعلوم والتقنية والبحث العلمي والابتكار وريادة الأعمال. فالكويت التي كانت في عقود سابقة من أكثر دول المنطقة تأثيراً في الإعلام والثقافة والتعليم والعمل الأهلي، لم تستطع حتى الآن تحويل إمكاناتها البشرية والمالية الكبيرة إلى حضور عالمي يتناسب مع حجم الدولة وإمكاناتها.
المشكلة ليست في نقص المواهب، فكل مجتمع يمتلك نسبة متقاربة من الموهوبين والمبدعين. المشكلة الحقيقية تكمن في غياب منظومة احترافية متكاملة لاكتشاف المواهب ورعايتها وتحويلها إلى إنجازات عالمية.
لماذا تتراجع المؤسسات الناجحة؟
التاريخ يخبرنا أن كثيراً من المؤسسات تبدأ قوية ومؤثرة ثم تتراجع تدريجياً. يحدث ذلك عندما يغيب الجيل المؤسس الذي بنى المشروع على الرؤية والطموح والتضحية، ويحل محله جيل إداري يركز على المحافظة على المواقع والمكتسبات أكثر من تركيزه على التجديد والتطوير.
ومع مرور الوقت تتراكم البيروقراطية، وتتقدم العلاقات الشخصية على الكفاءة، وتتحول بعض المؤسسات إلى كيانات تدير الواقع بدلاً من أن تصنع المستقبل.
وهذا لا يقتصر على الرياضة أو الثقافة، بل يمكن أن يصيب الجامعات والمؤسسات التعليمية والهيئات العلمية والفنية والاقتصادية.
ومن هنا فإن السؤال ليس: كيف نصلح مؤسسة واحدة؟ بل كيف نبني منظومة وطنية جديدة لإنتاج الاحتراف؟
تجربة قديمة مازلتُ أؤمن بها:
أتذكر عندما عملت على إعداد إستراتيجية التعليم الديني مطلع الألفية الجديدة، وقدمت آنذاك في المؤتمر السنوي لجمعية المعلمين الكويتية تصوراً بعنوان «مدارس المستقبل».
كان أحد أهم مكونات المشروع أن يتخرّج الطالب بشهادتين لا بشهادة واحدة:
الأولى: شهادة التعليم العام.
والثانية: شهادة احتراف في مجال موهبة أو قدرة أو تخصص يتناسب مع إمكاناته الشخصية.
بمعنى آخر، لا يكتفي الطالب بدراسة الرياضيات والعلوم واللغة العربية، بل يخرج أيضاً وهو لاعب محترف أو مبرمج محترف أو باحث ناشئ أو فنان مبدع أو رائد أعمال صغير أو متخصص في الذكاء الاصطناعي أو الإعلام الرقمي.
هذه الفكرة مازالت صالحة اليوم أكثر من أي وقت مضى.
العالم لم يعد يُكافئ الشهادات بل الكفاءات:
في القرن الماضي كانت الشهادة الجامعية تمثل نهاية رحلة التعليم.
أما اليوم فإن الاقتصاد العالمي يكافئ المهارات والاحتراف والابتكار أكثر من مجرد الحصول على المؤهل الأكاديمي.
ولهذا نجد أن الدول التي تتصدر مؤشرات التنافسية والابتكار لم تبنِ نجاحها على التعليم التقليدي وحده، بل على منظومات متخصصة لصناعة المواهب.
ففي نتائج اختبارات PISA الدولية لعام 2022 تصدرت سنغافورة العالم في الرياضيات والعلوم والقراءة والتفكير الإبداعي، حيث حقّق 41 % من طلبتها مستويات النخبة في الرياضيات مقارنة بمتوسط 9 % فقط في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، كما حقّق 58 % منهم مستويات متقدمة في التفكير الإبداعي مقارنة بمتوسط 27 % عالمياً.
هذه النتائج لم تأتِ من فراغ، بل من فلسفة تعليمية تعتبر أن اكتشاف الموهبة وصقلها هدف وطني لا يقل أهمية عن تدريس المناهج.
ماذا فعلت سنغافورة وكوريا الجنوبية؟
عندما استقلت سنغافورة عام 1965 كانت دولة صغيرة محدودة الموارد الطبيعية، لكنها قرّرت الاستثمار في الإنسان.
واليوم تحتل سنغافورة المركز الخامس عالمياً في مؤشر الابتكار العالمي، وتُعد من أكثر دول العالم تقدماً في التعليم والبحث العلمي والاقتصاد المعرفي.
أما كوريا الجنوبية التي خرجت من الحرب الكورية في خمسينيات القرن الماضي واحدة من أفقر دول العالم، فقد أصبحت اليوم من أكبر القوى التكنولوجية والصناعية.
وفي مؤشر الابتكار العالمي احتلت كوريا الجنوبية المركز السادس عالمياً في عام 2024، ثم ارتفعت إلى المركز الرابع عالمياً في 2025، مع تصدرها العالم في الإنفاق البحثي للشركات وكثافة الباحثين وبراءات الاختراع.
هذه الدول لم تبنِ نجاحها عبر زيادة الإنفاق فقط، بل عبر إنشاء منظومات احترافية لاكتشاف الموهوبين وتأهيلهم منذ سن مبكرة وربط التعليم بالاقتصاد والإبداع والبحث العلمي.
أين تقف الكويت اليوم؟
وفق مؤشر الابتكار العالمي لعام 2024، جاءت الكويت في المرتبة 71 عالمياً، ثم في المرتبة 73 عام 2025، بينما تشير التقارير إلى أن مخرجات الابتكار مازالت أقل من حجم الاستثمارات والموارد المتاحة. كما تسجل الكويت أداءً متواضعاً في مؤشرات نضج الأعمال ومخرجات المعرفة والتكنولوجيا.
ولا ينبغي النظر إلى هذه الأرقام باعتبارها انتقاداً للكويت، بل باعتبارها مؤشراً على وجود فرصة كبيرة غير مستغلة.
فالكويت تمتلك بنية تحتية جيدة، وقدرات مالية عالية، ونظاماً تعليمياً واسعاً، وقطاعاً خاصاً نشطاً، ومؤسسات مجتمع مدني مؤثرة. لكن الحلقة المفقودة تتمثل في منظومة وطنية لصناعة الاحتراف.
من إصلاح المؤسسات إلى بناء المؤسسات البديلة:
لقد اقتنعت خلال السنوات الماضية بأن بعض المؤسسات التقليدية يصعب إصلاحها بالسرعة المطلوبة بسبب تراكمات طويلة من الأنظمة والثقافات والصراعات.
ولهذا فإن أحد الحلول العملية يتمثل في الإبقاء على المؤسسات القائمة، مع إنشاء مؤسسات احترافية جديدة تعمل وفق فلسفة مختلفة.
ليس الهدف هدم القديم، بل بناء الجديد.
فالجامعات تبقى، والأندية تبقى، والمعاهد تبقى، لكن تنشأ إلى جانبها مؤسسات متخصصة لصناعة النخب والمواهب.
مشروع وطني لصناعة النخب:
ما تحتاجه الكويت اليوم هو إنشاء «الهيئة الوطنية للتميز وصناعة النخب»، وهي مؤسسة مستقلة تموّل بالشراكة بين الدولة والقطاع الخاص والقطاع التعاوني والقطاع الخيري.
وتتولى هذه الهيئة إنشاء:
- مركز وطني لاكتشاف المواهب.
- أكاديمية للرياضة الاحترافية.
- أكاديمية للفنون والإعلام.
- أكاديمية للعلوم المستقبلية.
- أكاديمية للذكاء الاصطناعي.
- أكاديمية للقيادة الوطنية.
- صندوق وطني لرعاية الموهوبين.
وتبدأ عملية اكتشاف المواهب من المدارس منذ الصفوف المبكرة عبر اختبارات علمية ومهنية وإبداعية متخصصة.
ثم ينتقل الطالب إلى مسار احترافي متدرج بالتوازي مع تعليمه العام.
شهادة احتراف لكل طالب:
أقترح أن يصبح الهدف الإستراتيجي للتعليم الكويتي خلال العقدين المقبلين أن يتخرّج كل طالب بشهادتين:
الأولى شهادة أكاديمية.
والثانية شهادة احترافية في مجال موهبة أو تخصص أو مهارة.
عندها لن يكون لدينا فقط خريجو جامعات، بل سيكون لدينا علماء ومبرمجون وفنانون ورياضيون ومخترعون وقادة ورواد أعمال.
الكويت 2045: مشروع إنساني قبل أن يكون اقتصادياً:
التحدي الحقيقي أمام الكويت ليس بناء المزيد من المباني أو إنشاء المزيد من المؤسسات، بل بناء الإنسان الكويتي القادر على المنافسة عالمياً.
فالدول التي تتصدر العالم اليوم لم تصل إلى ذلك لأنها الأغنى، بل لأنها نجحت في تحويل مواهب أبنائها إلى رأسمال معرفي وإبداعي.
والسؤال الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا ليس: كم مدرسة لدينا؟ أو كم نادياً رياضياً نملك؟
بل: كم بطلاً عالمياً نصنع كل عام؟ وكم مخترعاً؟ وكم باحثاً؟ وكم فناناً؟ وكم رائد أعمال؟
عندما ننتقل من ثقافة الشهادات إلى ثقافة الاحتراف، ومن إدارة المؤسسات إلى صناعة المواهب، ومن استهلاك الإنجازات إلى إنتاجها، عندها فقط يمكن للكويت أن تستعيد موقعها الطبيعي بين الدول الرائدة في العالم.
فالمستقبل لن يكون للأغنى فقط، بل للأكثر قدرة على اكتشاف الإنسان وصناعة التميز.