كثيرة هي التعديات على الدولة، منها ما هو يُعدُّ افتئاتٌ على صلاحيات الدولة والنظام ومنها ما هو يعتبر مخالفة وليست افتئاتاً وهذه أخف أثراً. والمؤسف حقاً أن يكون هذا الزحف على الصلاحيات من (بعض الإسلاميين) – إن جاز لنا التعبير – لجهة الجهل بقواعد السياسة الشرعية من جهة والمراهقة السياسية بالتأثر بالأحزاب العاملة بالكويت مثل القوميين والناصريين والبعثيين والثوريين وغيرهم من جهة أخرى، حيث إن الثمانينات كانت نشوة (الحراك السياسي) والتي تمت إزالتها ورواسبها الفكرية والأخلاقية والاجتماعية اليوم ولله الحمد والمنّة.

ولقد أجمع أهل العلم أنه لا يجوز منازعة ولاة الأمور ولا الافتئات عليهم بصورة من الصور لما في ذلك من الآثار السلبية على استقرار المجتمعات وانتشار الفوضى وضياع الصالح العام وتمكين الأعداء ما يؤدي إلى شر أعظم من الشر الذي يُراد إزالته! ودليل ذلك قول عبادة بن الصامت، رضي الله عنه، (وألا ننازع الأمر أهله).

فوضعوا قاعدة مستقرة تشهد لها نصوص القرآن والسنة وهي (أن إزالة المنكر إذا أدت إلى منكر أعظم منه لم تكن مشروعة بل محرّمة شرعاً).

وقد ذكروا أمثلة عديدة وصوراً للمنازعة أو ما يسميه الناس اليوم - الزحف على الصلاحيات، فذكروا منها على سبيل المثال لا الحصر انتشار سلطة موازية لسلطة الدولة وهذه أشبه ما يكون اليوم من إباحة تعدد الأحزاب حتى يكون لنا (دولة داخل دولة) والأمثلة قريبة وواضحة أمامنا اليوم.

ومنها في العديد من الدول التصرف في الشؤون العامة التي تعود مصلحتها للأمة كلها دون تفويض أو ولاية، وهذا مثاله أوضح من الشمس في بعض الجمعيات واللجان الخيرية ما يشكّل تجاوزاً للقانون والقواعد الشرعية والمحاسبية والشفافية الدولية!

ومنها إقامة الميليشيات المسلحة وتطبيق العقوبات على المخالفين من قبل الأفراد خارج نطاق الدولة ونظام الحكم دون مسوغ قانوني أو حتى شرعي وعقلي! بل وتعدى الأمر الى إعلان الجهاد دون إذن الإمام حتى آلت الأمور إلى جّر الأمة إلى حروب غير محسوبة... زادت معها المفاسد والإضرار بالمدنيين وتضارب القرارات العسكرية والسياسية داخل الدولة الواحدة؟ لا لجهة المصالح العليا للبلاد ولكن لمصلحة بقاء الأحزاب والأجندات؟ وما لبنان مِنّا ببعيد!

ناهيك عن تعدد مراكز القرار والاختلاف بين الفرقاء السياسيين ما أضعف هيبة الدولة التي تشهد مثل هذه الممارسات والنظام العام المهترئ أساساً، بسبب كثرة الأحزاب!

وفي الفقه السياسي الإسلامي صورة أخرى من التعدي على الدولة وهو المعبر عنه بـ(تغيير منار الأرض) أي التعدي على أملاك الغير أو أملاك الدولة بأي صورة من الصور وهذه تعتبر من الكبائر لقوله، صلى الله عليه وآله وسلم، (لعن الله من لعن والده ولعن الله من ذبح لغير الله ولعن الله من غيّر منار الأرض) ومنار الأرض هي العلامات التي تميز أملاك الشركاء أو أملاك الدولة وتحددها وهذه الأعلام التي تُدق على حدود الأرض ليتميز بها الأملاك بين الجيران فإذا غُيّرت اختلطت الأملاك وهُضِمت الحقوق ... وإن أضافها إلى مُلكه فهو (غاصب) وإن لم يُضفها إلى ملكه فهو (متعدٍّ ظالم) مُفسد لملك غيره.

ومن صور الافتئات كذلك التي عدها الفقهاء (وضع رزنامة وتحديد مواقيت الصلوات ورمضان والأعياد خارج نطاق نظام الدولة العام) وكذلك (سك العملات) بمعنى اعتماد عملة ورقية أو مشفرة أو من الذهب والفضة خارج إطار العملة الرسمية المتداولة في البلاد فهذا محرّم بنصوص الشرع.

ولعل من أهم صور التعدي على الانظمة ما شهدناه وشهده العالم أجمع في العديد من الدول ما يسمى بالمظاهرات المليونية وما يصحبها عادة من فوضى وعنف وعاطفة كالعاصفة ذات الأمواج العاتية التي ركبها هواة ركوب الأمواج أصحاب (الإسلام السياسي) وإذا بها تتكسر بهم على الصخور وشعاب المرجان حيث بُعثرت كل الجهود وتلاشت الشعارات وانتهت الهوسات إلى لا شيء؟ سوىٰ الدمار والخراب؟ وهذا ما أكدته تقارير الأمم المتحدة الخاصة حول النزاعات المسلحة وأثبتته دراسات متخصصة قامت بها وزارات الداخلية في الحركات المسلحة والدولة، وكشفها القضاء الكويتي في البلاد بأحكام متوالية بعد تحقيق وتدقيق حول (الخلايا النائمة) و(الخلايا الإرهابية)، ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل تعدىٰ إلى الطعن في أحكام القضاء الذي هو شأن سيادي خاص بالدولة وصولاً إلى إضعاف هيبة القضاء وتالياً الفوضى القضائية.

فكان لا بد والحالة هذه من إزالة التعديات بكل صورها لتعود المياه إلى مجاريها و(كلن يعرف حدوده!).

ولعل هذه من أركز ركائز الأمن والاستقرار في الكويت. وعلى حد قول المثل القائل (تعددت الأسباب والموت واحد) يقال عندما تختلف الطرق والأسباب ولكن النتيجة واحدة وعليه فنقول تعددت التعديات والإزالة واحدة.