هناك من يظن أن معركة الأمة اليوم هي معركة اقتصاد أو سياسة أو سلاح، وهذا صحيح... ولكنه ليس كل الحقيقة.
فالأمم لا تُهزم أولاً في ميادين القتال، وإنما تُهزم في عقول أبنائها، وحين تفقد لغتها تبدأ بفقدان ذاكرتها، ثم ثقافتها، ثم شخصيتها، حتى تصبح أمة تتحدث بلسان غيرها، وتفكر بعقل غيرها، وتستهلك ما ينتجه غيرها.
اللغة العربية ليست مجرد وسيلة للتخاطب، وإنما هي الوعاء الذي حفظ تاريخنا، وسجل حضارتنا، ونقل علومنا وآدابنا عبر القرون، إنها الرابط الذي يجمع العربي في المشرق بأخيه في المغرب، وهي العنوان الأول لهويتنا القومية.
ولهذا، لم يكن غريباً أن تكون اللغة هدفاً لكل من أراد إضعاف هذه الأمة؛ فالذين يعجزون عن احتلال الأرض، يحاولون احتلال العقل، وإذا استطاعوا أن يقنعوا أبناءنا بأن لغتهم قاصرة، فقد انتصروا قبل أن تبدأ المعركة.
انظر إلى شوارعنا اليوم، كم محلاً يرفع لافتة أجنبية لا تكاد تجد فيها حرفاً عربياً؟ وكم مطعماً يكتب اسمه بلغة أجنبية، وكأنه يخجل من لغة القرآن؟ ألهذا الحد أصبح العربي يخشى أن يكتب بلغته؟
إنّ احترام اللغة ليس تعصباً، بل هو احترام للذات. وكل دولة تحترم نفسها تحترم لغتها أولاً، ولن تجد أمة عظيمة تخلّت عن لغتها لتتحدث بلغة غيرها داخل وطنها، والأخطر من ذلك ما يجري في التعليم، فقد انتشر الاعتقاد بأن المدرسة الأجنبية تصنع طفلاً أكثر علماً، وأن التعليم باللغة الأجنبية أرقى من التعليم باللغة العربية. وهذه فكرة تحتاج إلى مراجعة جادة.
إنّ الدراسات التربوية تؤكد أن الطفل يفهم ويبدع ويتفوق عندما يتلقى علومه الأساسية بلغته الأم، ثم يتعلّم اللغات الأجنبية بوصفها أدوات للتواصل والانفتاح، لا بديلاً عن لغته وهويته. فاللغة الأجنبية نافذة على العالم، لكنها لا ينبغي أن تكون باباً للخروج من الذات، ولا أحد يدعو إلى محاربة اللغات الأجنبية، فهي ضرورة في عصر العلم والتكنولوجيا، لكننا نرفض أن تتحول الضرورة إلى تبعية، وأن يصبح العربي غريباً عن لغته في وطنه.
وما يثير العجب أيضاً أن بعض جامعاتنا تتوسّع عاماً بعد عام في تدريس التخصصات بلغات أجنبية، بينما تحرص أمم عريقة وأخرى صغيرة على أن يكون التعليم الجامعي بلغتها الوطنية؛ بل إن دولاً محدودة السكان، مثل مالطا، تتمسك بلغتها في التعليم والإدارة، وتعدها جزءاً من سيادتها الوطنية. وحتى إسرائيل جعلت إحياء العبرية أحد أعمدة مشروعها القومي، وأدركت أن بناء الإنسان يبدأ ببناء اللغة، فلماذا نتصور نحن أن التقدم لا يتحقق إلا إذا تراجع حضور العربية؟
إنّ المطلوب ليس منع تعلم الإنكليزية أو الفرنسية أو غيرهما، وإنما إعادة الاعتبار للعربية في المدارس والجامعات، وإلزام المحلات والمؤسسات بأن تكون العربية حاضرة في واجهاتها وإعلاناتها، وتشجيع الإنتاج العلمي بها، حتى تستعيد مكانتها الطبيعية، فاللغة ليست كلمات تُكتب على لافتة، وإنما هي تاريخ أمة، وضمير شعب، ومستقبل وطن، وحين نحمي العربية... فإننا لا نحمي الماضي، بل نحمي المستقبل.
إن القادة والسياسيين والمثقفين، الذين يقفون في وجه كل تهديد يمس استقلال أوطانهم ووحدتها، مدعوون اليوم إلى أن يخوضوا معركة لا تقل أهمية، بل ربما كانت أخطر من غيرها؛ معركة الدفاع عن اللغة العربية، لأنها دفاع عن هوية الأمة وذاكرتها ومستقبلها.
فإذا فرطنا في لغتنا، فلن نخسر وسيلة للتخاطب فحسب، بل سنخسر ذاكرتنا التي تروي قصتنا، وسنترك للأجيال القادمة وطناً بلا ذاكرة... وكأننا لم نكن يوماً هنا.