سلّط تقرير علمي موسع نشرته صحيفة «واشنطن بوست» الضوء على حقيقة بيولوجية يغفل عنها كثيرون، وهي أن تحديد موعد ثابت ومنتظم ومبكر للذهاب إلى الفراش يحمل تأثيراً إيجابياً حاسماً على جودة النوم وعلى الصحة البدنية والنفسية العامة، وهو تأثير يتجاوز في أهميته عدد ساعات النوم الإجمالية التي يحصل عليها الإنسان.
وأوضح التقرير المستند إلى أحدث البحوث الصادرة عن مختبرات الأعصاب وجامعات الطب العالمية، أن العقل البشري يعمل وفق ساعة بيولوجية دقيقة للغاية (Circadian Rhythm) تتأثر بشكل مباشر بدورة الضوء والظلام الطبيعية.
وبيّن الباحثون للصحيفة أن النوم في وقت متأخر - حتى وإن تبعه استيقاظ متأخر للحصول على ثماني ساعات كاملة من الراحة - يؤدي إلى إحداث خلل بنيوي في «معمارية النوم».
ويمنع هذا الاضطرار الجسم من الدخول الفعال في مرحلتي النوم العميق ونوم حركة العين السريعة (REM)، وهما المرحلتان المسؤولتان عن ترميم الخلايا العضلية، وإفراز هرمونات النمو، وتنظيف الدماغ من السموم والبروتينات الضارة المتراكمة خلال النهار، فضلاً عن ترتيب وتثبيت الذكريات والمعلومات الجديدة في الذاكرة طويلة المدى.
وحذر التقرير من أن النمط الحياتي الحديث المعتمد على السهر الطويل تحت الأضواء الاصطناعية وشاشات الهواتف الزرقاء يتسبب في كبح إفراز هورمون «الميلاتونين» (هورمون النوم)، ما يضع الجسم في حالة استنفار وتوتر دائمين. ويرتبط هذا الخلل المزمن على المدى الطويل بارتفاع معدلات الإصابة بأمراض القلب والشرايين، ومقاومة الإنسولين المسببة لمرض السكري من النوع الثاني، فضلاً عن التدهور الملحوظ في الصحة النفسية والذي يتجلى في تقلبات المزاج الحادة، وزيادة احتمالات الإصابة بالقلق المزمن والاكتئاب.
وشدد أطباء على مفهوم «انتظام موعد النوم» كركيزة أساسية للسلامة البدنية، حيث إن تغيير مواعيد النوم بين أيام العمل العادية وعطلة نهاية الأسبوع -ما يُعرف علمياً بـ «الاضطراب الجغرافي الاجتماعي» (Social Jetlag)- يتسبب في إرباك وظائف الجهاز الهضمي والتمثيل الغذائي، ما يؤدي إلى زيادة الوزن وصعوبة التركيز.
ولتحقيق الاستفادة القصوى من ساعات الليل، يوصي الخبراء باتباع التدابير والخطوات الوقائية التالية:
• تثبيت جدول النوم: الالتزام بموعد محدد للذهاب إلى الفراش والاستيقاظ يومياً، بمرونة لا تتجاوز 30 دقيقة حتى في أيام الإجازات.
• خلق بيئة ظلامية: إطفاء جميع الأنوار القوية في غرفة النوم واستخدام ستائر معتمة لتحفيز الغدة الصنوبرية على إفراز الميلاتونين بكفاءة.
• حظر الشاشات الإلكترونية: الابتعاد التام عن الهواتف الذكية والحواسب المحمولة قبل ساعة على الأقل من موعد النوم لتفادي الضوء الأزرق المنشط للمخ.
• ضبط حرارة الغرفة: الحفاظ على درجة حرارة تميل إلى البرودة المعتدلة داخل غرفة النوم، حيث يساعد انخفاض حرارة الجسم الطبيعي على الدخول في نوم عميق وسريع.