يشهد قطاع الطيران العالمي مرحلة دقيقة مع الارتفاع الكبير في أسعار النفط الخام، وما تبعه من زيادة مباشرة في أسعار وقود الطائرات، الذي يُعد أحد أهم عناصر التكلفة التشغيلية لشركات الطيران. فقد ارتفع سعر وقود الطائرات من متوسط يقارب 85 دولاراً إلى نحو 150 دولاراً للبرميل، أي بزيادة تقارب 40 دولاراً فوق تكلفة تكرير وتصنيع البرميل الواحد من النفط الخام. ويعود ذلك بصورة رئيسية إلى استمرار إغلاق مضيق هرمز، الذي يمثل الممر الحيوي لصادرات النفط والطاقة من الخليج العربي إلى العالم.
وفي ظل هذه الظروف، تواجه شركات الطيران تحديات مالية كبيرة، خصوصاً أن معظمها لا يحتفظ بمخزونات ضخمة من وقود الطائرات، كما أنها لا تستطيع تحمل هذه الزيادة الكبيرة في التكاليف لفترات طويلة. فشركات الطيران تعمل أساساً ضمن هوامش ربح محدودة بسبب شدة المنافسة العالمية، وحتى خلال مواسم الذروة الصيفية بالكاد تحقق أرباحاً سنوية مستقرة.
وأصبح تقليص عدد الرحلات الجوية السمة الأبرز لدى كثير من شركات الطيران في الوقت الحالي، مع التركيز على الرحلات الطويلة التي تحقق جدوى تشغيلية أكبر وتوفيراً نسبياً في استهلاك الوقود مقارنة ببعض الرحلات القصيرة والمتكررة. وقد انعكس ذلك مباشرة على أسعار التذاكر، التي شهدت ارتفاعاً ملحوظاً، خصوصاً بالنسبة للعاملين في الخارج الراغبين في زيارة عائلاتهم وأصدقائهم أو الاستفادة من الإجازة الصيفية.
ومع استمرار الأزمة، يبرز تساؤل مهم: هل سيؤدي ارتفاع أسعار النفط ووقود الطائرات إلى انخفاض أعداد المسافرين عالمياً؟ فتكلفة السفر أصبحت عبئاً إضافياً على كثير من الأسر، وقد يضطر البعض إلى تأجيل السفر أو إلغائه بالكامل.
وتعتمد نسبة إنتاج وقود الطائرات من البرميل الواحد من النفط الخام على عوامل عدة، أبرزها نوعية النفط الخام المستخدم في التكرير، سواء كان نفطاً خفيفاً أو متوسطاً أو ثقيلاً، إضافة إلى نوع المصفاة وتقنياتها، وطبيعة المنتجات النهائية المطلوبة من عملية التكرير. كما تلعب احتياجات الدولة دوراً رئيسياً في تحديد توجهات المصافي، سواء كان الهدف تلبية الطلب المحلي أو التصدير الخارجي. وفي الكويت، تعتمد المصافي بدرجة كبيرة على التصدير الخارجي للمنتجات النفطية، لما يحققه ذلك من قيمة مضافة وعوائد اقتصادية مهمة.
وتاريخياً، اعتمدت الكويت على تكرير النفط الخام الكويتي، وكان للقطاع الخاص الكويتي دور بارز في تأسيس الصناعة النفطية الوطنية. فقد ساهم القطاع الخاص في تأسيس شركة البترول الوطنية الكويتية، وشارك في بناء مصفاة الشعيبة عام 1960 بنسبة بلغت 40 % من رأس المال، وبتمويل من أمواله الخاصة.
وقد واجه المشروع آنذاك تحفظات واعتراضات من شركتي «بي بي» البريطانية و«جلف» الأميركية، اللتين كانتا تملكان امتيازات النفط الخام الكويتي. بل إنهما رفضتا في البداية بيع النفط الخام للشركة الوطنية الكويتية، قبل أن تتدخل الحكومة الكويتية وتجبرهما على بيع النفط، ولكن بأسعار أعلى من تلك التي تمنحانها لزبائنهما الخارجيين، في محاولة لمنع الشركة الكويتية من منافستهما عالمياً.
كما اشترطت الشركتان عدم منافستهما في أسواقهما التقليدية، ورغم ذلك وافقت الشركة الكويتية على هذه الشروط، ونجحت لاحقاً في دخول أسواق عالمية متعددة، منها أسواق صغيرة نسبياً مثل تايوان، إضافة إلى السوق اليابانية، خاصة من خلال تصدير مادة النافثا المستخدمة في صناعة البتروكيماويات.
ورغم الاحتكار الذي فرضته الشركات الأجنبية في تلك المرحلة، تمكنت الشركة الوطنية الكويتية من النجاح والتوسع في أسواق مختلفة، مع التركيز على الأسواق القريبة في الخليج العربي واليمن، ثم التوسع لاحقاً إلى باكستان والهند وتايوان واليابان.
وكانت الكويت من أوائل الدول التي امتلكت شركة نفط وطنية لديها مصفاة خاصة بها، رغم أنها كانت تشتري النفط الخام من الشركات الأجنبية المالكة لحقوق الامتياز النفطي آنذاك.
كما بدأت شركة البترول الوطنية الكويتية بتأسيس محطات توزيع الوقود محلياً، وتزويد مطار الكويت بوقود الطائرات، قبل أن تتوسع لاحقاً إلى الأسواق الأوروبية بعد الاستحواذ على شركات نفطية هناك، ومنها شركات تابعة لـ«جلف أويل» الأميركية في أوائل الثمانينيات، لتصبح جزءاً من منظومة الطاقة العالمية وتنافس الشركات الأجنبية الكبرى.
ولا شك أن الشركات الكويتية العاملة في أوروبا تواجه اليوم التحديات نفسها المتعلقة بنقص المنتجات النفطية، خاصة مع استمرار إغلاق مضيق هرمز وتعطل إمدادات النفط الآتية من الخليج العربي.
ويبقى السؤال المطروح يومياً: متى سيُعاد فتح مضيق هرمز؟ ومتى ستعود ناقلات النفط لعبور الخليج العربي بصورة طبيعية؟ ومتى تستأنف الإمدادات النفطية تدفقها إلى الأسواق العالمية؟ فعودة الإمدادات النفطية ستسهم بلا شك في استقرار حركة الطيران العالمية وتهدئة أسعار التذاكر، بما يسمح للمسافرين بالعودة إلى أوطانهم وعائلاتهم دون أعباء مالية إضافية. لكن المخاوف تبقى قائمة من أن يكون هذا الصيف مكلّفاً وصعباً على كثير من الناس، وربما يفضل البعض البقاء حيث هم بدل تحمل تكاليف السفر المرتفعة، حتى إشعار آخر.
كاتب ومحلل نفطي مستقل
naftikuwaiti@yahoo.com