يرتبط الإنسان بالمكان إن كان له فيه ذكريات وإن كان ليس في بلده... فما بالك بمشاعره تجاه بلده الذي ينتمي إليه أباً عن جد.
وبالتالي، فإن الإنسان يرتبط بمشاعر جياشة تجاه وطنه، وبالتالي فانه يتفاعل بكل أيقونة من وطنه سواء كانت تحمل رمزاً مثل عَلم البلد أو مَعلم ثقافي أو آثار تاريخية بل انه يرى أنها هوية مميزة له.
ولقد قال النبي محمد، عليه الصلاة والسلام، عن بلده مكة المكرمة عندما هاجر منها إلى المدينة «والله إنك لأحب أرض الله إلى الله، وأكرمها على الله»، وهو أمر طبيعي فإن الإنسان يحب بلده، وقد لا تكون دولة غنية أو دولة تتمتع بجمال الطبيعة أو بمكانة تاريخية مرموقة، بل إن الإنسان قد يحب بلده وفي الوقت ذاته يحب مدينته التي ولد بها بجنون أكبر تفوق بقية مدن بلده مهما كانت ظروفه، لأن الإنسان يرتبط بالماضي حيث مكان ولادته والمكان الذي ترعرع فيه، والأمر نفسه ينطبق على الكثير من العرب الذين ولدوا وعاشوا في الكويت لسنوات فيها، فإنني كلما التقي بالبعض منهم في مصر والأردن فإنه يقول لي بكل حب وفخر إنه ولد وعاش في الكويت فما بالك بالمواطنين الكويتيين ومشاعرهم تجاه الكويت.
لقد عرف الإنسان الكويتي قيمة الوطن منذ القدم، فعندما كان يسافر قبل النفط بهدف التجارة بين الكثير من الدول الغنية في ذلك الوقت لم يفكر بالبقاء في تلك الدول لأنه ارتبط وجدانياً بأرض الكويت تاركاً المغريات المادية.
إن الارتباط بالأرض هو علاقة فطرية وجودية عميقة تمثل أصل الإنسان ومنشأه فهو انتماء روحي وثقافي وجغرافي يربط الإنسان ببيئته وتضاريسه، ويشكل هويته وتراثه كما يمثل قيمة مركزية تشمل السكن والعمل والروابط الاجتماعية والروحية ويحفز على حماية الأرض وعمارتها والعمل على تطورها.
نعم، نحب أوطاننا لأنها تمثل جذورنا مثل الأشجار فنحن نتحدث عن الآباء والأجداد، لذلك الأمر ارتبط الإنسان وتعلقه بوطنه وبالتالي فإنه يقدم الغالي والنفيس من أجل رفعة وطنه مهما كانت التضحيات مادية أو معنوية، وقد تصل إلى تقديم الأرواح من أجل الدفاع عن الوطن، وقد تجلّى ذلك جلياً عام 1990، عندما كانت الظروف مواتية ليكون لدينا شهداء على أرض الكويت الحديثة وهم تكملة لشهداء الكويت السابقين في الكويت أو في بعض الدول العربية مثل مصر أثناء حروب العرب مع الصهاينة.
إنّ حب الوطن غير قابل للتزييف، وبالتالي فإن علينا أن نغرسه في أبنائنا وأحفادنا بل إننا مطالبون بالتعبير عن حب الوطن ليس بترديد الأغاني والقصائد الوطنية فقط رغم أني أحب الأوبريتات التي قدمها الفنان شادي الخليج، ومعه الشاعر عبدالله العتيبي، والملحن غنام الديكان، إلا أنني أطالب أبناء بلدي بأن نزرع في الجيل الجديد التعبير عن حب الوطن عبر الوقوف خلف القيادة السياسية خصوصاً أننا نعيش في فترة حرجة جداً، إضافة إلى ضرورة التعبير عن حب الوطن بالعمل الجاد وبالإخلاص بالعمل مهما كانت شهادته أو طبيعة عمله. فكلنا نعمل معاً كخلية نحل وكلٌ لديه دور في تلك الحياة، بل ان تشجيع الأبناء على الالتزام بالقوانين والالتزام بقوانين المرور أثناء قيادة السيارات إنما هو صورة من صور حب الوطن.
وهناك صور أخرى منها تكاتف الشعب الكويتي ابان فترة الاحتلال العراقي للكويت عام 1990، إضافة إلى الالتزام بتعليمات القوانين التي وضعتها الحكومة الكويتية أثناء حقبة كورونا، حيث نجحت وقتها نجاحاً كبيراً، والأمر نفسه ينطبق على الشعب الكويتي الذي التزم نبذ الخلافات والتجمعات وقت الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة والكيان الصهيوني من جهة، وإيران من جهة أخرى.
قد عايشنا ككويتيين ومعنا ضيوفنا الكرام تفاصيل القصف المدمر لبعض المؤسسات المدنية، فكان هناك شهداء وإصابات رغم أن تلك الحرب لا ناقة لنا بها ولا جَمل، فكانت الحكمة من القيادة السياسية في الكويت وبقية دول مجلس التعاون الخليجي عدم التورط في تلك الحرب اللعينة.
إنّ التربية الإسلامية والعربية والروح والقيم الكويتية هي مسؤولية جماعية تبدأ بالحلقة الضيقة متمثلة بالأسرة حيث الوالدين وحثهما الأبناء على حب الوطن ورموزه والعمل الجاد وهو أمر نتفق عليه مهما كانت انتماءاتهم الأيديولوجية التي وإن كانت تختلف في رؤاها تجاه الكثير من الملفات، بيد أنها حتما تتطابق على ضرورة حب الوطن والعمل من أجل رفعة شأنه ليصل إلى حلقة أكبر هي المدرسة والمسجد والديوانية ومكان العمل والأندية ومعه الإعلام الرسمي والخاص، وكذلك بقية جمعيات النفع العام.
ولا ننسى دور الرموز السياسية والاجتماعية والثقافية والفنية ومشاركاتها من شأنها أن تعمل على إضفاء حب الوطن بشكل تلقائي بعيداً كل البعد عن الأنانية والنفاق.
همسة:
يقول الشاعر عبدالرحمن النجار «يا وطن لك من يحبك».