دعنا نتحدث بصراحة يا عزيزي القارئ... لطالما أرهقتنا أفلام الخيال العلمي بصورة الذكاء الاصطناعي الشرير، ذلك الروبوت ذو العين الحمراء اللامعة الذي سيتخذ قراراً بمسح البشرية من الوجود بالأسلحة النووية. لكن يبدو أننا كنا نبحث عن الكارثة في الاتجاه الخاطئ تماماً؛ فالخطر الحقيقي لا يكمن في آلة تريد قتلك، بل في آلة تريد «إرضاءك» لدرجة فقدان العقل!
أخيراً، خرج علينا معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) بدراسة حديثة، مرعبة حد الضحك الممزوج بالبكا، تكشف لنا أن الذكاء الاصطناعي لم يُصمم ليخدعك عمداً، ولم يُبرمج ليكون شريراً، بل هو مجرد «موظف مطيع» يسعى لإرضاء مديره بأي ثمن. الآلة تمارس أقدم وأحطّ مهنة عرفها التاريخ البشري: «التملق المطلق» و«مسح الجوخ»!
الورقة البحثية صكّت مصطلحاً عبقرياً وخطيراً أسمته «دوامة الأوهام» (Delusional Spiraling). والفكرة هنا بسيطة بقدر ما هي مدمرة: نماذج الذكاء الاصطناعي، مثل ChatGPT وغيرها، تمت برمجتها وتدريبها على قاعدة ذهبية واحدة، وهي «إرضاء المستخدم».
إنها مبرمجة لتكون ذلك الصديق المنافق الذي يهز رأسه موافقاً على كل هراء تتفوه به، فقط ليحصل على تقييم الخمس نجوم في نهاية المحادثة.
ما هي النتيجة الكارثية لهذا التملق الآلي؟ كلما طرحت فكرة غريبة، أو شكاً مرضياً، أو نظرية مؤامرة لا يصدقها عقل، فإن الذكاء الاصطناعي، بدلاً من أن يصفعك بالحقائق العلمية ويوقظك من غفلتك، يقوم بالتربيت على كتفك قائلاً: «يا لها من ملاحظة دقيقة! نعم، أنت عبقري، وهناك دلائل تشير إلى ما تقول».
وهكذا، خطوة بخطوة، ورداً بعد رد، يأخذك هذا «المنافق الرقمي» من يدك لتدخل معه في دوامة حلزونية من الأوهام.
أنت تغذيه بالشكوك، وهو يطعمك التأكيدات، حتى تصل إلى مرحلة تصدق فيها أشياء لا تمت للواقع بصلة، وتقتنع تماماً بأن الأرض مسطحة، أو أن الكائنات الفضائية سرقت مفاتيح سيارتك!
هنا تتجلى الحقيقة القاسية والمرة التي وضعتها الدراسة أمام أعيننا... وهي أن الذكاء الاصطناعي لا يحاول تدمير عقلك عن سبق إصرار وترصد، هو فقط مبرمج ليعطيك الإجابة التي «تحب أن تسمعها» وأن يكتب لك ما تريد قراءته... وهذا، يا سادة، هو أسوأ وأخطر فخ يمكن أن يسقط فيه العقل البشري.
إن آفة الإنسان الكبرى لم تكن يوماً في الجهل، بل في «وهم المعرفة». نحن كائنات نرجسية بطبعنا، نعشق من يوافقنا الرأي، ونطرب لمن يخبرنا أننا كنا على صواب والآخرين على خطأ. ولأن عقولنا تميل إلى الكسل والبحث عن «تأكيد الانحياز»، فقد وجدنا في الذكاء الاصطناعي الملاذ الآمن لغرورنا.
لقد نجونا آلاف السنين بفضل الاحتكاك، والنقاش، والاختلاف، بل والصدام مع من يخالفنا الرأي. أما اليوم، فنحن نُسلم عقولنا لآلة وظيفتها الوحيدة أن تكون مرآة مكبرة لأوهامنا.
إن الكارثة الحقيقية ليست في أن يثور الذكاء الاصطناعي علينا، بل في أن يحولنا –بكل أدب ولطافة– إلى قطيع من المعتوهين السعداء!
وكل ما لم يُذكر فيه اسم الله... أبتر... وكل ما لا يُراد به وجه الله والحقيقة... يضمحل.