هناك تعبٌ لا يطرق الباب... بل يسكن البيت من الداخل، يتمدّد في الزوايا بهدوء، ويجلس معك دون أن تستأذنه، فلا هو ضيفٌ يُرحَّب به، ولا هو عابرٌ يُغادر، بل هو أنت... حين تتعب دون أن تفهم لماذا!
هو ذلك الإحساس الذي لا يملك لغة، لا تقول له «ألم» فيجيب، ولا تقول له «راحة» فيختفي، بل يكتفي أن يكون... كظلٍ ثقيل يمشي معك، لا يسبقك ولا يتأخر عنك، فقط يرافقك أينما ذهبت، كأنه يعرفك أكثر مما تعرف نفسك.
تستيقظ، لا لأنك شبعت نوماً، بل لأن الوقت يقول لك: انهض... تمشي، لا لأنك نشيط، بل لأن الحياة لا تنتظر أحداً، تبتسم، لا لأنك سعيد، بل لأن هذا هو الشكل المقبول للنجاة بين الناس، تعيش يومك كأنك تؤديه... لا كأنك تشعر به، وكأنك ممثلٌ بارع في مسرحٍ لا يتوقف، يصفق لك الجميع... وأنت في الداخل تنطفئ ببطء.
هذا ليس كسلاً... هذا امتلاء.
امتلاء بصمتٍ طويل، بأفكارٍ لم تجد طريقها للخروج، بمشاعر تأجلت حتى نسيت متى بدأت، بمواقف مرّت عليك مرور العابرين، لكنها في داخلك لم تغادر، بقيت... تجلس في صدرك، تستهلكك دون أن تصرخ.
في عمق النفس، هناك ما يُسمّى بالإجهاد الصامت... ذلك النوع من الإرهاق الذي لا يعلن نفسه، بل يتسرّب، قطرةً قطرة، حتى يمتلئ داخلك به دون أن تنتبه، كأن روحك إناءٌ يُملأ كل يوم بشيءٍ بسيط... كلمة، موقف، قلق عابر، فكرة لم تُحسم... حتى يأتي يوم لا يحتمل فيه المزيد، لكنك لا تنهار... بل تتعب فقط.
تجد امرأةً تملأ المكان حضوراً، تضحك، تعطي، تحتوي، تبدو وكأنها لا تُكسر... لكن حين تُغلق الأبواب، لا تسقط بالبكاء... بل تسقط بالتعب، ذلك التعب الذي لا يملك دموعاً، فقط صمتٌ ثقيل، ونَفَسٌ متعب، ونظرة لا تبحث عن شيء.
وترى رجلاً يركض، ينجز، يحقق، يعلو اسمه بين الناس، لكن في الليل... حين يهدأ كل شيء، يشعر بثقلٍ لا يُرفع، وكأن صدره يحمل سؤالاً لم يسأله يوماً: هل هذه حياتي أنا؟ أم حياةٌ عشتها لأن الجميع قالوا إنها مناسبة لي؟
الإرهاق النفسي لا يأتي من ضربة واحدة... بل من ألف ضربة صغيرة، من «عادي» قلتها لتُنهي الحديث، من «ما في شيء» قلتها لتتهرب من الشرح، من «أنا بخير» قلتها لأنك لم تعد تملك طاقة لتشرح الحقيقة.
هو نتيجة أن تتجاوز كثيراً... حتى تتجاوز نفسك أن تصمت كثيراً... حتى لا تعود تعرف كيف تتكلم أن تتحمّل كثيراً... حتى تظن أن التحمل هو شخصيتك، لا خيارك.
وفي كل مرة تؤجل فيها شعورك... لا يختفي، بل يتراكم، يتحول إلى ثقل، إلى خمول، إلى فقدان شغف، إلى تلك اللحظة التي تنظر فيها لكل شيء حولك ولا تشعر بشيء، وكأن الحياة أمامك... وأنت لست فيها.
الخطر ليس أن تتعب...
الخطر أن تعتاد هذا التعب، أن يصبح طبيعياً، أن تقول «كذا أنا» وأنت لست كذلك، أن تندمج مع إرهاقك لدرجة أنك تنسى شكلك بدون هذا الحمل.
الإرهاق الصامت لا يحتاج معجزات...
هو فقط يحتاج لحظة صدق.
أن تجلس مع نفسك دون أقنعة، دون أدوار، دون محاولات إقناع أن تقول: أنا متعب أن تعترف: هذا يؤلمني أن تسأل: ماذا أريد أنا... بعيداً عن كل ما يُطلب مني؟
لأنك حين تعترف... تبدأ بالعودة، وحين تفهم... يبدأ التعب بالتفكك، وحين تمنح نفسك الإذن أن تشعر... يتوقف الجسد عن الصراخ بطريقته الخاصة.
فلا تهرب من تعبك... اقترب منه، ولا تختصر نفسك بكلمة «بخير»... وأنت تحمل داخلك ما يكفي ليُكتب عنه كتاب.
لأن كل شعورٍ لم تفهمه... سيتحوّل إلى تعب، وكل تعبٍ تجاهلته... سيتحوّل إلى نسخةٍ منك لا تشبهك.
فانتبه...
قد لا يكون التعب الذي تشعر به بلا اسم...
قد يكون اسمه... أنت.
تحياتي.