يحار الإنسان إذا وجد هذا التطور السريع في التكنولوجيا وتدفق المعلومات مع تطور النظريات الاقتصادية والأنظمة الإدارية والمحاسبية والأمنية والعسكرية، كل ذلك في تكنولوجيا رقمية حققت أعلى درجات الأمن المجتمعي وتبادل المصالح. ولكن وسط هذا التطور الهائل نجد أن هناك أنظمة مازالت تفكر كما لو كانت (في العصر الحجري أو البرونزي أو العصور الوسطى) في حين أن السنن الإلهية تسير في عكس هذا الاتجاه.
لا خلاف بأن الجماعة أطول عمراً من الفرد الواحد، وأن النوع الإنساني كله أطول عمراً من كل الدول والأحزاب... فلابد في حالة الخلاف والتنازع بين الفرد والجماعة (والإقليم) أن تبقى مصلحة الجماعة وأن تبقى من بعدها مصلحة الجماعات الكثيرة (العالم)، فهو بلا شك أصلح وأنفع مما يحقق مصلحة الفرد الأوحد في حياته المحدودة القصيرة. وهذا يتضح لنا مع ما يتداوله الناس من مصطلح أن (البقاء للأصلح) ولكن إذا انحصرت الأمور في بيئة واحدة وظروف محدودة فقد يكون الامتياز بالقوة والضخامة سبباً من أسباب الهزيمة والفناء وتآكل الأصول - ففي مثل هذه الأحوال – يمكن أن يقال عبر ملايين السنين بحسب كتب التاريخ الطبيعي للأرض في ما حصل في أنواع الديناصورات الزاحفة الضخمة - طولاً وعرضاً - والتي تُعرض اليوم في أعرق المتاحف الطبيعية في أوروبا والمعروف بـ(الديناصور البيّاض) من آكلات العشب... وكانت ضخامتها وقوتها من أسباب انقراضها وغلبة الحيوانات الصغيرة ذوات الأربع والطائرة عليها. لأن الديناصورات تحتاج إلى كمية غذاء هائلة من الطعام على مدار الساعة لتغذيتها...
وكان اجتماع هذه الديناصورات في مستعمرات وغابات مزروعة يستنفد كل ما فيها من الأعشاب الصالحة للأكل... ومع تطاول الزمان لم تستطع من ضخامتها الانتقال السريع إلى الأمكنة البعيدة للبحث عن الأعشاب وربما تحول بعضها إلى آكل اللحوم! وتعذَّر عليها مطاردة الحيوانات الصغيرة التي تُسرع في الهرب قبل أن تدركها لتفترسها... بل تجرأت هذه الحيوانات الصغيرة لتأتي من خلفها وتنهشها لتأكل من لحومها لتفر مسرعة ناجية بنفسها قبل أن تتمكن من الاستدارة إليها لمنعها واللحاق بها كلما هربت منها!
وكانت لهذه الديناصورات (بيوض) في أوكارها فأصبح هذا البيض طعاماً سهلاً للحيوانات الصغيرة كلما ابتعدت عنه... حيث ظهرت لها عقبة ثانية أوقعتها في حيرة بين الابتعاد عن البيض لطلب القوت وحراسة المكان لحماية البيض! أو حماية الصغار بعد التفقيس!
وربما انتهى الأمر بفنائها إما بقتال بعضها لبعض أو بإحدى الكوارث الطبيعية... ومع تطاول السنين دام تناسل الحيوانات الصغيرة ولم يدُم نسل الديناصورات الكبيرة فكانت ضخامتها وقوتها وانتشارها من أسباب انقراضها وفنائها!
والعبرة والنتيجة المستخلصة من هذه القصة أن هناك مخلوقاً قوياً ضخماً ينافسه مخلوق صغير ضعيف فيبقى الأخير لأنه (أنسب) لظروف الحياة في بيئته وزمنه، ويزول الأول مع امتيازه بالقوة والضخامة... ولا ريب والحالة هذه من ضرورة شرط المناسبة للظروف لضمان البقاء لأنه أضمن من القوة (العسكرية) أو من الضخامة (الاقتصادية) التي تفقد هذه المناسبة (لطبيعة المرحلة وطبيعة التاريخ)!
على أن المسألة لها وجهة نظر أخرى، وهي إذا أردنا معنى الأصلح من وجهة الصلاح العامة بين جميع الكائنات والبيئات وذلك عندما يكون التنازع واقعاً بين ما يناسب الفرد وما يناسب الجماعة أو يناسب النوع الإنساني كله!
فما الذي يبقى إذا تنازعت مصلحة الفرد الواحد ومصلحة الجماعة في حياتها الطويلة أو مصلحة النوع الإنساني كله على اختلاف الجماعات؟
سؤال إجابته في الواقع الذي يحكم وليس في صور الأذهان! والأماني!