استأذن صابر زميله أن يحكي له مأساة يعيشها، فاستمع إليه صديقه بكل صدق ودعم معنوي. بعد فترة من الزمن، حدث خلاف بينهما، وكان زميله يناقشه في أصل المشكلة، فرد عليه صابر: لا ألومك، فمن يهتم بشخصٍ مثلي يعاني من...؟

ربما مرّ علينا هذا الموقف الغريب؛ فالألم جزء من حياتنا، نحن نفقد أعزاء، ونتعرّض للظلم، ونشتكي، وتلك مشاعر طبيعية نشاركها مع المقرّبين منا. لكن السؤال هنا: هل استخدمنا آلامنا يوماً كسلاح نشهره في وجوه الآخرين في كل موضوع نتحدث عنه في الحياة؟

صابر، يعتبر نفسه الضحية الوحيدة في العالم التي تستحق الدعم العاطفي على مدار الساعة. إنه يتمركز حول ذاته العاطفية، ويرى ألمه بوصفه الألم الأعظم، وغالباً لا يسأل: هل يعاني الآخرون مثلي؟ العاطفة في حياة صابر، ليست وسيلة تواصل، وإنما مسرحاً درامياً.

تلك الشخصيات تحاول باستمرار أن تجعلنا نشعر بالذنب تجاه آلامهم حتى وإن لم يكن لنا يد فيها؛ فعندما نرفض رغباتهم نصبح ظالمين، وعندما نختلف معهم نصبح قساة القلوب، وعندما نكون محايدين نُوصَف بالخونة. لم يكن هدف صابر، فهم زميله، وإنما إدانته أخلاقياً وإظهاره بلا رحمة.

من أخطر سمات هذه الشخصية احتكار الشفقة لنفسها، فهي لا تشعر بالراحة إلا إذا كانت محور التعاطف، بل وتنزع الشرعية عن معاناة الآخرين، وتعتبر أن الاعتراف بألم غيرها ينتقص من ألمها.

لننقل الصورة الذهنية لما يعانيه صابر، من مستوى الفرد إلى مستوى الجماعة. عندما تُختزل المعاناة الإنسانية الواسعة في قضية واحدة، يُطلب من الناس أن يشعروا ويغضبوا ويتحركوا انتقائياً، فتُهمَّش مآسٍ أخرى، وأحياناً تُحتقَر، لا لأنها أقل ألماً، بل لأنها لا تخدم المأساة المركزية التي أصبحت -في نظرهم- المقياس الوحيد للإنسانية.

يحدث ذلك لأسباب عدة، منها التشبث بطرح فكرة واحدة لا يمكن التعامل معها بطرق أخرى، فيُعرّف الأشخاص أنفسهم من خلالها، ويخشون فقدانها لأنها الجزء الوحيد الذي يمنحهم قيمة أو معنى. السبب الثاني هو الحاجة إلى الاعتراف والإحساس بالأهمية وامتلاك قوة معنوية على الآخرين، وعندما تصبح هذه الحاجة مفرطة تتحول إلى ابتزاز عاطفي.

وأخيراً، هناك الخلط بين الألم والقيمة؛ فتُختزل القيمة الإنسانية في مقدار المعاناة: كلما تألمت أكثر، استحققت أكثر. وهذا من أخطر الانحرافات الأخلاقية. يذكّرنا ذلك بقصة جيبسي روز، حين كذبت الأم دي دي بلانشارد، بشأن مرض ابنتها، فحصلت على التعاطف والاهتمام المجتمعي والشهرة، إضافة إلى أموال كثيرة، وكانت نهاية تلك القصة المليئة بالتحايل مأسوية وصادمة للغاية.

وما ادعته الأم دي دي بلانشارد، حينئذ، أن ابنتها جيبسي روز، تعاني من ضمور العضلات وسرطان الدم والربو، وأخضعتها لأكثر من 30 عملية جراحية دون الحاجة لذلك، وكما أجبرتها على استخدام أنبوب التغذية والكرسي المتحرك. وبعد معاناة الابنة مع والدتها طلبت من صديق لها يدعى نيكولاس جوديجون، أن يقتل والدتها بسب سوء معاملتها.

إنّ مثل هذه العقليات تشكّل خطراً على المجتمع، إذ تنشر ثقافة الضحية بدلاً من ثقافة المسؤولية. كما تُسهم في إخفاء قصص مأسوية أخرى قد تكون أعظم وأشد، وتستنزف عواطف الناس، وتُنتج استقطاباً حاداً: إمّا أن تكون معي بالكامل، أو ضدي تماماً.

الألم الإنساني حقيقي، ولا توجد مأساة تلغي غيرها، كما أن التعاطف الحقيقي لا يُفرض، ولا يُبتز، ولا يُستخدم كسلاح أخلاقي. الشخص الناضج يعترف بألمه دون إلغاء آلام الآخرين، ويطلب التفهّم لا الشفقة، ويرى العالم واسعاً بما يكفي لاحتواء أكثر من مأساة في آنٍ واحد.

قِس ذلك على أشخاص تعرفهم، ربما أسر، وربما شعوب.