عزيزي القارئ... تخيل معي هذا المشهد العبثي الذي يتكرر في بيتي هذه الأيام.
الساعة تشير إلى منتصف الليل، «العيال ناموا» (وتلك في حد ذاتها معجزة)، والهدوء يلف المنزل لدرجة أنك تستطيع سماع دقات قلب النملة.
وفجأة، تنتفض زوجتي من مكانها كمن لدغتها عقرب، تتسع عيناها، وتتجمد ملامحها، ثم تهمس بصوت يرتجف رعباً: «هل سمعت؟ ما هذا الصوت؟ صاروخ؟ صفارة إنذار صح؟».
أرهف السمع بكل ما أوتيت من قدرة فسيولوجية، فلا أسمع سوى صوت غسالة الملابس وهي تعتصر ما تبقى من جوارب الأطفال.
أنظر إليها بابتسامة بلهاء، وأقول: «يا بنت الحلال، الحرب وقفت، والصواريخ نامت، والسياسيون ذهبوا لقصورهم، وهذا الذي تسمعينه هو صوت جارنا في الدور العلوي يسحب كرسياً حديدياً على البلاط!».
لكنها لا تقتنع... وتظل عيناها معلقتين بالسقف بانتظار الانفجار.
هنا يا صديقي، يجب أن نتوقف قليلاً لنفهم ما يحدث.
عزيزي القارئ... إن مخ الإنسان هذا كائن «دراما كوين» بامتياز، يحب الأكشن ويصنع أفلاماً من لا شيء... في علم النفس والطب، هناك ظاهرة مشهورة جداً وطريفة تُسمى «متلازمة طالب الطب»، طالب الطب المسكين في السنة الثالثة، بمجرد أن يفتح المراجع الطبية ويقرأ عن أعراض مرض نادر يصيب الكبد لدى قبائل الأمازون، يبدأ فجأة في الشعور بألم حاد في كبده! يقرأ عن تساقط الشعر، فيجد نفسه أصلع في المرآة. دماغه يقوم بعمل تحميل (Download) للأعراض، ويطبقها فوراً على جسده السليم وكأنه في غرفة العناية المركزة.
وليس الأطباء وحدهم من يهلوسون، بل حتى عشاق التاريخ! هناك ما يُعرف بـ «متلازمة قرع حوافر الخيول»... حيث تجد القارئ المهووس بالتاريخ يندمج في قراءة كتاب عن الفتوحات أو غزوات المغول، وبمجرد أن يغلق الكتاب ويطفئ النور لينام، يُقسم بأغلظ الأيمان أنه يسمع صهيل الخيول، وقرع حوافرها، وصرير السيوف يتردد في سقف غرفة نومه! الدماغ هنا لا يكتفي بالقراءة، بل يقوم بـ «مكساج» صوتي ويشغل المؤثرات في الخلفية.
عودة إلى «أم العيال» حفظها الله... نحن يا سادة لم نعد نقرأ التاريخ، بل نحن «نُطحن» فيه... لقد أنتج لنا هذا الشرق الأوسط البائس المليء بالميلشيات متلازمتنا العصبية الخاصة «متلازمة صفارات الإنذار الوهمية».
الحرب توقفت سياسياً؟ نعم.
التصريحات هدأت؟ صحيح.
لكن «اللوزة الدماغية» المسؤولة عن الخوف والإنذار المبكر في أدمغتنا، لم يصلها «الإيميل» الرسمي بوقف إطلاق النار... هذه اللوزة ما زالت ترتدي الخوذة، وتجلس في الخندق، وتنتظر الغارة!
لقد تبرمجت أجهزتنا العصبية على مدار الأيام الماضية على «الوضع الكارثي»... أصبحنا مصابين بـ «شلل إدراكي سمعي»؛ فصوت إغلاق باب الثلاجة بقوة يعادل اختراق جدار الصوت، وصوت دراجة نارية مسرعة في الشارع هو طائرة مسيرة مفخخة، وصوت الخلاط الكهربائي هو إنذار مبكر لهجوم جوي!
زوجتي يا سادة لا تتدلل، ولا تدعي الخوف، بل هي ضحية دماغ قرر أن يحميها بطريقة مبالغ فيها... الدماغ العربي المنهك يقول لها باستمرار: «لا تصدقي نشرات الأخبار، ولا تصدقي الهدوء الإستراتيجي، نحن في الشرق الأوسط يا سيدتي، كوني مستعدة للركض نحو الملاجئ في أي لحظة!».
إنها باختصار، أزمة شعوب كاملة، خرجت من الحرب جسدياً، لكنها بقيت عالقة فيها نفسياً. شعوب فقدت القدرة على التمييز بين صوت «مفرقعات الأفراح» وصوت «البراميل المتفجرة». نحن بحاجة إلى إعادة ضبط مصنع (Format) لـ «السوفت وير» العصبي المضروب الذي ورثناه من متابعة الأخبار العاجلة ليل نهار.
لذا، كلما سألتني زوجتي برعب ووجل: «هل سمعت هذا الصوت؟»، لن أسخر منها بعد اليوم. سأبتسم وأحتوي هذا الرعب الآتي من أقبية اللاوعي، وأقول لها بهدوء: «هذا مجرد صوت جدر الضغط في المطبخ يا حبيبتي، نامي قريرة العين، فالإمبريالية والخمينية لا تستهدف عشاءنا الليلة».
وكل ما لم يُذكر فيه اسم الله... أبتر... وكل ما لا يُراد به وجه الله.. يضمحل.