في هذا الزمن لم تعد الحروب تبدأ بصرخة ولا تنتهي ببطولة، بل تُدار من خلف شاشات باردة بضغطة زر وبأوامر تُكتب فتُنفّذ. لم يعد من يشعل الحرب يرى وجوه ضحاياه ولا يسمع أصوات المدن وهي تنهار، كل ما يراه شاشة وأوامر ونتائج، وهنا تبدأ الحكاية حين تتحول الحروب إلى نظام ويتحول الإنسان إلى رقم داخل عملية تنفيذ.
ابدأ التنفيذ... فبدأت الحرب بقرار بارد لم يسمع صرخات أحد.
وسّع النطاق... فاتّسعت الجبهات وامتدّ اللهيب إلى مدن لم تعرف يوماً معنى المعركة.
ارفع الجاهزية... فارتفعت الصواريخ وانخفض الأمان في قلوب الناس.
حدّد الأهداف... فضاعت الحدود ولم يعد هناك فرق بين موقع عسكري وبيت بسيط ومطار مدني ينتظر مسافراً لا يعرف أن رحلته لن تقلع أبداً.
نفّذ الضربة... فتم التنفيذ بدقة وسقطت النوافذ قبل أن تسقط الأهداف وسقط الخوف في عيون الأطفال قبل أن يسقط أي موقع.
اقصف المطار... فتتوقف الرحلات، ليس فقط رحلات الطائرات بل رحلات الأمان والعودة واللقاء.
تابع العمليات... فاستمر القصف واستمر معه سؤال بسيط لا يجيب عنه أحد: ما ذنب هؤلاء؟ ما ذنب أم كانت تنتظر عودة ابنها؟ ما ذنب طفل كان يحلم بإجازة فإذا به يحفظ صوت الانفجار بدلاً من أسماء الألعاب؟
احسب النتائج... وستكتشف أن الأرقام لا تبكي لكن أصحابها يفعلون، فلا تُحسب الخسائر أرقاماً فقط بل وجوهاً وأرواحاً، ولا تُقاس النتائج بما سقط من جدران، بل بما سقط من حياة.
وعندها فقط ندرك أن ما يسير كأنه نظام دقيق هو في الحقيقة نظام بلا قلب، ينفّذ الأوامر التي تُشعل النار بسرعة، ويتجاهل الأوامر التي تُنقذ البشر.
أوقفوا النار...
احموا المدنيين...
تراجعوا قبل أن ينهار كل شيء...
وهكذا تستمر الحرب، ليس لأن القوة هي الحل، بل لأن العقل غاب، والإنسان تأخر، والقرار صار مجرد أمر بلا ضمير. الحرب لم تعد كارثة، الكارثة أن من يديرها لم يعد يرى أنها كارثة.