يشهد سوق النفط العالمي تطورات متسارعة، حيث بلغ سعر النفط الخام الكويتي نحو 116 دولاراً للبرميل (تسليم فوب من ميناء الأحمدي). ورغم هذا الارتفاع الملحوظ، فإن الواقع الحالي يفرض تحديات كبيرة، إذ تقتصر عمليات الإنتاج والتصدير في الكويت—وكذلك في معظم دول الخليج العربي—على تلبية الطلب المحلي فقط، نتيجة الظروف الراهنة التي تشهدها المنطقة.

في المقابل، تواصل بعض الدول الخليجية عمليات التصدير عبر مسارات بديلة. فالمملكة العربية السعودية تصدّر جزءاً من إنتاجها عبر ميناء ينبع المطل على البحر الأحمر، بمعدل يُقارب 4 ملايين برميل يومياً. كما تصدّر دولة الإمارات العربية المتحدة ما بين مليون إلى مليون ونصف برميل يومياً عبر خط حبشان–الفجيرة، المطل على خليج عُمان. أما بقية دول الخليج، فقد شهدت تراجعاً في صادرات النفط والمشتقات النفطية والغاز، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار دون تحقيق زيادة فعلية في الإيرادات اليومية الصافية.

وقد انعكس هذا الوضع أيضاً على الأسعار العالمية، حيث بلغ سعر خام برنت نحو 109 دولارات للبرميل. اللافت أن سعر النفط الخام الأميركي تجاوز خام برنت، ليصل إلى حوالي 112 دولاراً للبرميل، نتيجة عوامل داخلية تشمل زيادة الطلب المحلي، والتوسع في التخزين، إضافة إلى استخدام جزء من النفط في المضاربات اليومية، ورفع معدلات التكرير استعداداً لأي طارئ مستقبلي.

ويطرح «التخزين الإستراتيجي» تساؤلات مهمة حول جدوى تخزين النفط الكويتي خارج البلاد. هل الهدف من ذلك إستراتيجي أم اقتصادي للاستفادة من فروقات الأسعار؟ وماذا لو تعذر تسلم الشحنات المخزنة بسبب ظروف طارئة أو استخدام محلي من قبل الجهة المؤجرة؟ في المقابل، يبرز تساؤل آخر: هل من الأفضل الاستثمار في بناء مرافق تخزين محلية رغم ارتفاع تكلفتها، أم الاستمرار في استئجار السعات التخزينية الخارجية؟ كما أن مدة التخزين وحجمه يمثلان عاملين حاسمين. فهل تعد فترة ثلاثة أشهر كافية؟ للمقارنة، تمتلك الولايات المتحدة مخزوناً إستراتيجياً يُقدّر بنحو 400 مليون برميل، وهو ما يغطي استهلاكاً يصل إلى 64 يوماً من الواردات، مع قدرة تشغيل تمتد من 90 إلى 120 يوماً. أما اليابان، فتحتفظ بمخزون إستراتيجي يكفي لأكثر من 254 يوماً، رغم عدم امتلاكها إنتاجاً محلياً من النفط.

إلى ذلك، يبلغ استهلاك الكويت من النفط نحو 500 ألف برميل يومياً، ومن المتوقع أن يرتفع إجمالي الاستهلاك—بما يشمل النفط ومشتقاته والغاز—إلى مستويات أعلى، خاصة مع الاعتماد على استيراد الغاز الطبيعي من الخارج، والذي يمثل نحو 40 % من إجمالي الاستهلاك، في ظل عقود طويلة الأمد مع دولة قطر.

في ضوء هذه المعطيات، تبرز أهمية الإسراع في تطوير حقول الغاز المكتشفة قرب جزيرة فيلكا، مثل حقول النوخذة، والجُزة، والجليعة، والتي تشير التقديرات إلى احتوائها على كميات واعدة من الغاز الحر تتجاوز 30 مليون قدم مكعبة.

ويتطلب ذلك التعاون مع شركات عالمية متخصصة في قطاعي النفط والغاز، بهدف تحقيق أفضل النتائج الفنية والاقتصادية، وتقليل الاعتماد على استيراد الغاز، وتوجيه هذه النفقات نحو تطوير الموارد المحلية. إن الاستثمار في الغاز الحر سيمكّن الكويت من تعميق خبرتها في هذا المجال الحيوي، إلى جانب قطاع النفط التقليدي.

ورغم التحديات الراهنة، يبقى المستقبل واعداً. ومن المؤمل أن تكون هذه المرحلة استثنائية وقصيرة، تليها عودة إلى مسار التنمية وتعزيز البنية التحتية لقطاع الطاقة. إن تطوير صناعة النفط، والدخول بقوة في صناعة الغاز، يمثلان ركيزتين أساسيتين للحفاظ على مكانة الكويت بين دول «أوبك+».

إن المرحلة المقبلة تتطلب رؤية إستراتيجية واضحة، واستثماراً ذكياً في الموارد، واستعداداً لمواجهة التحديات العالمية. فبالتخطيط السليم والعمل الجاد، يمكن للكويت أن تعزّز موقعها وتحقّق التفوق في قطاع الطاقة على المستويين الإقليمي والدولي.

كاتب ومحلل نفطي مستقل

naftikuwaiti@yahoo.com