لم يعد ممكناً التعامل مع التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران بوصفه شأناً ثنائياً منفصلاً عن الواقع الإقليمي، فالدول الأكثر تأثراً بنتائج هذا التفاوض ليست في واشنطن أو طهران، بل في العواصم الخليجية التي تقع في قلب معادلة الأمن والطاقة والملاحة، فمن هنا تبرز ضرورة إعادة صياغة الإطار التفاوضي ليشمل بشكل مباشر دول مجلس التعاون الخليجي كما جاء في خطاب الأمين العام جاسم البديوي ليس فقط كأطراف متأثرة بل كفاعلين أساسيين في إنتاج الاستقرار.

إن إشراك دول الخليج في أي مسار تفاوضي مع إيران يمثل تحولاً من "دبلوماسية فوقية” تُدار بين القوى الكبرى، إلى "دبلوماسية إقليمية” أكثر واقعية وارتباطاً بجذور الأزمة. فدول الخليج تمتلك من المعطيات الميدانية والخبرة في إدارة التهديدات ما يؤهلها لتقديم رؤية متوازنة تجمع بين متطلبات الأمن وضرورات التهدئة. كما أن حضورها على طاولة التفاوض يحد من احتمالات إنتاج اتفاقات جزئية لا تراعي أمنها وهو ما كان سبباً رئيسياً في هشاشة العديد من التفاهمات السابقة.

لكن هذا الطرح لا يخلو من التحديات، فإيران التي اعتادت توظيف أدوات الضغط الإقليمي لتحسين شروطها التفاوضية قد تنظر إلى توسيع دائرة التفاوض باعتباره محاولة لتطويق نفوذها في المقابل، تدرك طهران أن تجاهل الدور الخليجي لم يعد خياراً واقعياً، خاصة في ظل الترابط الوثيق بين أمنها الاقتصادي واستقرار الممرات البحرية في الخليج وعلى رأسها مضيق هرمز، وبالتالي فإن إدماج دول الخليج في التفاوض قد يشكل فرصة لإعادة تعريف العلاقة من منطق الصراع الصفري إلى منطق إدارة المصالح المتبادلة.

الرهان الحقيقي يكمن في القدرة على تحقيق توازن دقيق بين الردع والدبلوماسية. فدول الخليج لا تسعى إلى التصعيد لكنها في الوقت ذاته لا تقبل باستمرار التهديدات لأمنها، ومن هنا فإن مشاركتها في التفاوض يمكن أن تساهم في بناء إطار أمني إقليمي يقوم على مبادئ واضحة مثل احترام السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية وضمان حرية الملاحة. هذه المبادئ إذا ما تم تثبيتها ضمن اتفاق شامل قد تفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الاستقرار النسبي.

في السياق ذاته يبرز خيار "الدبلوماسية الوقائية” كبديل إستراتيجي عن الانزلاق نحو المواجهة العسكرية التي ترفضها دول الخليج رفضاً تاماً، فالتصعيد مهما كانت نتائجه لن يحقق استقراراً دائماً بل سيؤدي إلى إعادة إنتاج الأزمات بشكل أكثر تعقيداً. أما التفاوض الشامل، الذي يضم القوى الإقليمية الفاعلة فيمكن أن يشكل أرضية لتفكيك بؤر التوتر تدريجياً وإعادة بناء الثقة المفقودة بين الأطراف.

ختاماً، يمكن القول إن إشراك دول مجلس التعاون الخليجي في التفاوض مع إيران ليس مجرد خيار سياسي دبلوماسي متمثل بقوة ناعمة بل ضرورة إستراتيجية تفرضها طبيعة المرحلة، فاستقرار الخليج لا يمكن أن يفرض من الخارج ولا أن يبنى عبر توازنات عسكرية هشة بل يتطلب صياغة معادلة أمنية تشاركية تضع مصالح شعوب المنطقة في المقام الأول.

وبين التصعيد والتهدئة، تبقى الدبلوماسية الذكية هي الطريق الأقل كلفة التي تنتهجها دول الخليج وهي الأكثر قدرة على تجنيب المنطقة سيناريوهات لا يرغب بها أحد.