توصلت دراسة إلى أن التوترات والضغوطات النفسية التي يتعرض لها الأطفال في مقتبل العمر لا تكون مجرد سحابة عابرة تؤثر عليهم موقتاً فحسب، بل تترك آثاراً بيولوجية غائرة تعيد صياغة العلاقة المعقدة بين الدماغ والأمعاء.
وبحسب الدراسة التي نشرتها مجلة «غاسترو إنترولوجي» وأجرتها «جامعة نيويورك»، فقد أثبت العلماء أن الضغوط المبكرة، سواء كانت ناتجة عن الإهمال أو سوء المعاملة أو حتى معاناة الأم من الاكتئاب غير المعالج، تؤدي إلى تغييرات دائمة في الجهاز العصبي الودي والأمعاء.
وكشفت النتائج الصادمة أن هذه التغييرات تزيد من خطر الإصابة باضطرابات هضمية مزمنة مثل «متلازمة القولون العصبي» وآلام البطن المتكررة ومشكلات الحركة المعوية في مرحلة البلوغ.
وقد استخدم الباحثون نماذج مخبرية لمحاكاة التوتر من خلال فصل صغار الفئران عن أمهاتهم لساعات يومياً، وهذا ما أدى لاحقاً إلى ظهور سلوكيات قلق واضطرابات معوية حادة لدى تلك القوارض عند بلوغها، مع وجود تباين لافت بين الجنسين، إذ كانت الإناث أكثر عرضة للإسهال، بينما عانى الذكور من الإمساك الوظيفي.
وعلاوة على ذلك، فقد أكدت الدراسات البشرية التي شملت آلاف الأطفال في سن التاسعة والعاشرة ذات النتائج، حيث تبيّن أنّ أي شكل من أشكال تجارب الطفولة القاسية يرتبط طردياً بزيادة الشكاوى الهضمية.
وأوضحت الباحثة «مارغوليس» أن هذه الاكتشافات تشير إلى عدم وجود حل واحد يناسب الجميع لعلاج اضطرابات التفاعل بين الدماغ والشرج، بل يجب استهداف مسارات بيولوجية مختلفة بناءً على نوع الأعراض التي يعاني منها المريض، وهذا يفتح آفاقاً جديدة للطب الشخصي.
ويمكننا استعراض الأبعاد الحيوية لهذا البحث العلمي عبر النقاط الجوهرية الآتية:
• تعطل التواصل السليم بين الجهاز العصبي المركزي والجهاز العصبي المعوي نتيجة الصدمات النفسية المبكرة، وهذا ما يفسر تحول الحالة النفسية إلى أعراض جسدية مزمنة.
• الدور الحاسم لسلامة الصحة النفسية للأم أثناء الحمل وبعد الولادة، حيث أظهرت البيانات أن أطفال الأمهات اللواتي يعانين من اكتئاب غير معالج يواجهون مخاطر أعلى للإصابة بالغثيان والقيء والإمساك الوظيفي.
• اكتشاف مسارات بيولوجية متباينة تتحكم في الألم مقابل تلك التي تتحكم في حركة الأمعاء، وهذا ما يفسر لماذا قد تنجح بعض العلاجات في تخفيف التشنجات لكنها تفشل في تحسين عملية الإخراج.
• التأكيد على أن البيئة المبكرة للطفل هي التي ترسم المخطط الأساسي لصحة الجهاز الهضمي، وهذا يتطلب توفير حماية مجتمعية ونفسية للأطفال لمنع ظهور أمراض جسدية مكلفة في المستقبل.
ويعيد هذا الربط العلمي بين العاطفة والوظيفة الجسدية تعريف مفهوم الرعاية الصحية الأولية، إذ لم يعد كافياً فحص الأعضاء الجسدية من دون النظر في السجل التاريخي للتوتر النفسي، مما يجعل من الدعم النفسي المبكر استثماراً حقيقياً في الصحة العامة للأجيال القادمة، وهذا ما يجب أن تلتفت إليه السياسات الصحية العالمية بجدية أكبر.