مع دخول الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران أسبوعها الثالث، تتكشف صورة معقدة للخسائر الإسرائيلية تتجاوز الدمار المادي المباشر إلى أزمة اقتصادية كلية تهدد أسس النموذج الإسرائيلي.

فإلى جانب آلاف المطالبات بالتعويضات وعشرات الشقق المدمرة، تظهر معطيات جديدة من وزارة المال الإسرائيلية ومؤسسات مالية دولية كبرى أن تل أبيب، تواجه نزيفاً مالياً غير مسبوق يقدر بنحو 3 مليارات دولار أسبوعياً، مع تراجع حاد في النمو وتزايد الدين العام.

خسائر اقتصادية

وحذّر المدير العام لوزارة المال إيلان روم، في رسالة وجهها إلى قائد قيادة الجبهة الداخلية اللواء شاي كلاپر، من أن استمرار الحرب في ظل القيود الحالية يكلف الاقتصاد 9.4 مليار شيكل (نحو 3 مليارات دولار) أسبوعياً.

وقال «نحن بحاجة إلى حل يلبي احتياجات الجبهة الداخلية من جهة واحتياجات الاقتصاد من جهة أخرى، بعد عامين ونصف العام من دفع الاقتصاد ثمناً باهظاً في الحرب على قطاع غزة ولا نزال في تلك الجبهة».

وأضاف أن تخفيف القيود من المستوى «الأحمر» (إغلاق كامل) إلى المستوى «البرتقالي» (فتح محدود) يمكن أن يخفض الخسارة الأسبوعية إلى 4.5 مليار شيكل (1.5 مليار دولار) فقط.

وأكدت تقديرات إسرائيلية وغربية بعيدة عن الرقابة العسكرية أن الكلفة المباشرة على إسرائيل خلال الأيام الأولى من الحرب بلغت من 2-3 مليار دولار، شملت العمليات العسكرية والتعطيل الجزئي للنشاط الاقتصادي.

تحذيرات «جي بي مورغان»

وكشفت تقديرات بنك «جي بي مورغان» عن تدهور سريع في توقعات الاقتصاد مع استطالة أمد الحرب، حيث نشر خبراء الاقتصاد في البنك تحليلين متناقضين خلال أسبوع واحد أحدهم في 6 مارس وتوقع فيه البنك أن يتعافى الاقتصاد بسرعة، مع تراجع النمو إلى 1% فقط في الربع الأول يعوضه نمو قوي في الربع الثاني، بينما صدر التوقع الثاني في 13 مارس بعد تصعيد الحرب واشتراك حزب الله، حيث خفض البنك توقعات النمو لعام 2026 إلى 4.1 في المئة (مقابل 4.8% قبل الحرب)، مرجحاً انكماشاً بنسبة 2 في المئة في الربع الأول.

وحلل خبراء «جي بي مورغان» الوضع، قائلين، «نشهد صورة اقتصادية كلية أكثر خطورة مما عرضناه قبل أسبوع فقط، حيث أن الضرر الذي لحق بالنمو سيكون أكبر من التوقعات الأولية، هناك عاملان رئيسيان يدفعان نحو سياسة نقدية أكثر حذرا: التوسع المالي الحكومي الواضح، وتزايد مخاطر التضخم قصيرة الأجل بسبب ارتفاع أسعار السلع وتعطل سلاسل التوريد».

وأضاف التقرير أن العجز المالي الحكومي مرشح للارتفاع إلى 5.1 في المئة من الناتج المحلي (مقابل 3.9 في المئة في الموازنة الأصلية)، مع زيادة الإنفاق المدني (غير الأمني) بنسبة 12 في المئة، وهو مستوى «مرتفع جداً بالمعايير التاريخية».

استنزاف

ولفت إلى أن استدعاء نحو 100 ألف جندي احتياط يمثل ضربة قاسية لسوق العمل، حيث تم سحب الشرائح الأكثر إنتاجية وتحويلها إلى قوة مستهلكة للموازنة.

وكتب ألكسندر تيشينكو، خبير الأمن القومي، في تحليل لصحيفة «بيلاروس سيغودنيا» أن تعبئة 400 ألف احتياطي أثرت بشكل خاص على قطاع التكنولوجيا الفائقة، الذي يمثل 54 في المئة من الصادرات، مشيراً إلى أن إسرائيل تخسر بشكل مباشر وغير مباشر 780 مليون دولار يومياً، وأن دخلها القومي ينخفض بنسبة 1 في المئة كل سبعة أيام.

قنبلة موقوتة

وكشف شلومو تيتلباوم، المحلل الاقتصادي في صحيفة «كالكاليست» في 15 مارس، عن أرقام صادمة في شأن مدفوعات الفائدة على الدين العام، مضيفاً أن تقديرات 2023 كانت تشير إلى أن إسرائيل ستدفع 67 مليار شيكل فوائد في عام 2027.

وبحسب التقديرات الحالية (بعد الحرب) تشير إلى أن هذه المدفوعات ستصل إلى 93.3 مليار شيكل في 2027، من دون احتساب تكاليف الحرب الحالية.

وقال تيتلباوم في تحليله اللاذع: «منذ اندلاع الحرب المدمرة على قطاع غزة وبعدها على إيران ثم لبنان، كنا نكتب عن سوء إدارة الحكومة للمالية العامة، وكنا نستخدم كلمات قاسية مثل التبذير والنهب وعدم المسؤولية. لكن الآن، في الموازنة المعدلة لعام 2026، نرى أن الحكومة تحطم الأرقام القياسية في عدم المسؤولية... لقد وصلنا إلى مستوى جديد مقلق من التدهور؛ هذه أول مرة لا يمكن فيها العثور على أي مؤشرات للمسؤولية المالية من الحكومة».

صواريخ مقابل مسيّرات

وأفاد مصدر عسكري إسرائيلي نقلاً عن تقديرات غربية بأن أحد أكثر التحديات إيلاماً للجيش هو اللاتناسب الهائل في التكاليف بين وسائل الهجوم الإيرانية ووسائل الدفاع الإسرائيلية والأميركية.

وتابع أن صواريخ الاعتراض الأميركية «باتريوت 3 باك» تكلف نحو 4 ملايين دولار للصاروخ الواحد، حيث تخرج عشرات الصواريخ الأميركية والإسرائيلية لاعتراض صاروخ إيراني واحد بتكلفة باهظة واستنزاف عسكري.

وأشار إلى صواريخ «إس م - 6» الأميركية التي تكلف 4.3 مليون دولار للصاروخ الواحد منها، وتستخدم لاعتراض مسيرات لا تتجاوز قيمتها 20 ألف دولار.

وبحسب ألكسندر تيشينكو فإن 60 في المئة من المخزون التشغيلي للقبة الحديدية وأنظمة الاعتراض الأخرى استُنفد في الأيام العشرة الأولى من مارس، وأن الإنتاج السنوي الإسرائيلي لا يكفي سوى لـ 2-3 ضربات إيرانية كبيرة.

وكشفت تقارير إسرائيلية أن وزارة الأمن طلبت في البداية 82 مليار شيكل إضافية (نحو 22 مليار دولار)، منها 42 مليار للعمليات الجارية و40 ملياراً في إطار موازنتها لعام 2026، حيث حصلت بالفعل على 39 مليار شيكل (32 ملياراً للعمليات + 7 مليارات احتياطي).

الإنفاق الأميركي: دعم غير محدود

وكشفت معطيات من وزارة الدفاع الأميركية أن الإنفاق العسكري في الأيام الستة الأولى من الحرب تجاوز 5.6 مليار دولار، ما أثار قلق المشرعين من وتيرة استنزاف المخزون، حيث قّدر موقع تتبع تكلفة الحرب (iran-cost-ticker.com) قدر أن أميركا تنفق مليار دولار يومياً في المتوسط منذ بدء الحرب، أي 41.6 مليون دولار في الساعة.

الخسائر البشرية الإسرائيلية

وبالنسبة للعنصر البشري، فقد سجلت إسرائيل حتى 6 مارس، سقوط 11 قتيلاً على الأقل، لكن تقارير لاحقة منتصف الشهر ذاته، تشير إلى ارتفاع العدد إلى 15 قتيلاً في صفوف المدنيين، غالبيتهم نتيجة الضربات المباشرة في تل أبيب ورامات غان وبيت شيمش.

التأثير على المستوطنين

واستناداً إلى تقرير «إسرائيل اليوم» لا يزال 2300 مستوطن يقيمون في فنادق بعد إخلاء منازلهم، مع تدمير كلي لـ 13 شقة في تل أبيب وبيت شيمش، وأضرار جسيمة لمئات الوحدات السكنية الأخرى.

ووصف يهودا عوزن، المدير العام لوزارة الإسكان، المشهد في بيت شيمش، قائلاً «أرى فوضى عارمة هنا، الأضرار تمتد على شوارع عدة ومئات العائلات تم إجلاؤها».

حركة الطيران

وأجبر إغلاق المجال الجوي الإسرائيلي وفي إيران والعراق شركات الطيران على تغيير مساراتها بتكلفة باهظة، ما رفع أسعار التذاكر على بعض الخطوط بشكل كبير.

هل يصبح الاقتصاد الإسرائيلي عائقاً أمام الحرب؟

قدم الخبير البيلاروسي ألكسندر تيشينكو قدم تحليلاً عميقاً لطبيعة المعضلة الإسرائيلية، قال فيه «صُممت الآلة العسكرية الإسرائيلية تاريخياً لتكون عداءة سريعة عالية الكفاءة، واقتصاد وجيش إسرائيل موجهان لمفهوم إلحاق أقصى ضرر في أقصر وقت، لكن في ربيع 2026، واجه هذا النموذج تحدياً لم يكن مهيأ له، ونشهد الآن تراجعاً اقتصادياً، على عكس العمليات المحلية في الماضي، يتطلب النزاع الحالي ثلاثة أضعاف الموارد».

فخ العجز والديون

بدوره، حذر المحلل الإسرائيلي شلومو تيتلباوم من أن إسرائيل تقف عند «لحظة محورية»، حيث إن «القرارات التي اتخذتها الحكومة خلال الأسبوع الماضي تضع تل أبيب على مسار تصاعدي للدين العام. إذا لم يصدر موقف واضح من الحكومة في الأسابيع التالية لانتهاء الحرب في شأن التزامها بخفض الدين العام، فلن يكون مفاجئاً أن تعاقب الأسواق العالمية إسرائيل».

التوقعات

وتُظهر المعطيات الموثقة من المصادر الإسرائيلية والأميركية أن الحرب على إيران تكلف إسرائيل ما بين 1.5 إلى 3 مليارات دولار أسبوعياً، مع تراجع حاد في النمو الاقتصادي (انكماش 2 في المئة في الربع الأول) وارتفاع قياسي في العجز والدين. قطاع التكنولوجيا الفائقة، قاطرة الاقتصاد، يتعرض لنزيف كفاءات بسبب تعبئة الاحتياطيين وهروب رؤوس الأموال.

ويبدو أن الاقتصاد، الذي كان يشكل ركيزة أساسية للمشروع الصهيوني، يتحول تدريجياً من «عنصر دعم» إلى «عائق محتمل» أمام استمرار الحرب. في مقابل ذلك، تظهر إيران قدرة على الصمود في حرب استنزاف طويلة، بفضل اقتصادها الموجَّه لتحمل الحصار وبنيتها التحتية العسكرية الموزعة تحت الأرض.

والسيناريو المتوقع مع استمرار التصعيد، هو أنه قد تضطر إسرائيل خلال أسابيع إلى إعادة حساب استراتيجيتها العسكرية بناءً على معطيات الموازنة واستنزاف المخزون الهجومي والدفاعي، خصوصاً إذا استمرت وتيرة الإنفاق الحالية من دون دعم أميركي غير محدود.