إيران أحبطت المسار اللبناني للتفاوض الشائك وتُعْلي وحدة الساحات

«حرب لبنان الرابعة» إلى ذروتها... اسرائيل «تقبض بالنار» على بيروت

نيران غارة تدميرية إسرائيلية على حي الباشورة وسط بيروت (أ ف ب)
نيران غارة تدميرية إسرائيلية على حي الباشورة وسط بيروت (أ ف ب)
تصغير
تكبير

كما على جبهة إيران، دخلتْ «حرب لبنان الرابعة» ذروتَها، مع جعْل العاصمة بيروت في «قبضة النار» والغارات التدميرية و«اغتيالات الشقق» التي دَهَمتْها فجر اليوم الأربعاء وتوسيع رقعةِ إفراغِ الجنوب من سكانه التي تمدّدت حتى منطقة صور، وصولاً إلى بدء عملية عزْل جنوب الليطاني عن شماله عبر ضرب المعابر التي تَربطه بمنطقة شمال النهر.

وفَرَكَتْ بيروت عينيْها على مشهدٍ من دَمٍ ودمارٍ باغَتَ سكانَها كما بحر النازحين فيها، مع الغارات المتسلسلة على مناطق زقاق البلاط، البسطة، والباشورة، حيث سَقَطَ ما لا يقلّ عن 10 أشخاص وجُرح أكثر من 40 بالضربات التي دشّنت إحداها (الباشورة) أوّل إسقاطٍ بعد إنذار لمبنى بكامله (11 طابقاً) سُوي بالأرض، وهو ما لم يحصل حتى في حرب خريف 2024.

ولم يَكُنْ التزامنُ غير المسبوق الذي حَصَلَ أيضاً في الغاراتِ بين قلْب بيروت وبين ضاحيتها الجنوبية هو المفارقةُ الثانية الوحيدة في عملية إلحاق العاصمة بحلَقة النار التي تشي بأنها تحوّلت جهنّمية، ذلك أن كَسْرَ ما بقي من «خط أحمر» حولها ترافَقَ مع مؤشراتٍ شديدة الخطورة إلى أن الحربَ على جبهتيْ لبنان وإيران باتت في مرحلةِ العصف الأقوى في الطريق الى نهاية يصعب أن تكون إلا على قاعدة «كش ملك»، وفق المناخات التي تتوالى من تل ابيب.

وتُنْذر هذه المؤشرات واقعياً بأن «بلاد الأرز» تقترب من السيناريو المخيف الذي يَضَعها بين ناريْن:

- الحربِ الاسرائيلية التي ستزداد جنوناً ولن تتوقف قبل إزالة ما تَعتبره تل ابيب تهديد «حزب الله» لمرة واحدة وأخيرة، وقبل أن تنتهي الحرب مع إيران، لاسيما في ظلّ ربْط الحزب جبهة لبنان بها «بالنار» وربْط طهران الجبهتين معاً في أيِّ «وَقْفِ نار».

- وارتفاعِ مَخاطر أن تتعاظمَ الاحتقانات الداخلية سواء بفعل الانقسام حول مبدأ وتوقيت وأجندة و«الناتج النهائي» المرتقب من التفاوض المباشر الذي دعا إليه لبنان مع اسرائيل، أو «قنبلة» نزوحِ أكثر من مليون مواطن من الجنوب خصوصاً والضاحية الجنوبية لبيروت وسط ارتفاع عدّاد الخارجين قَسْراً من بيوتهم يومياً.

وما يعزّز هذه الخشية بروز إشاراتِ رغبةٍ في تحويل ملف النزوح ورقة ضَغْطٍ اسرائيلية على الدولة اللبنانية مدجَّجة بفتائل حربٍ أهلية، يطلّ شبحها أيضاً من الحدود مع سورية في ضوء تسريباتٍ عن أن واشنطن حضّت نظام الرئيس أحمد الشرع على إرسال قوات إلى شرق لبنان للمساعدة في نزع سلاح «حزب الله» وأن دمشق متردّدة في الشروع في مثل هذه المهمة، قبل أن يعلن المبعوث الأميركي إلى سورية توم براك عبر «أكس» أن «هذه التقارير خاطئة وغير دقيقة».

ويمكن اختصار هذه المؤشرات الشديد القتامة، من المقلب الاسرائيلي والإيراني كما حزب الله، بالآتي:

- إعلان اسرائيل التي أكدت اغتيال وزير الاستخبارات الإيراني إسماعيل الخطيب في غارة على طهران إطلاق يد قواتها لتنفيذ اغتيالات في إيران، وضعت لائحة بها، من دون الحاجة إلى موافقات المستوى السياسي، كما أكد وزير دفاعها يسرائيل كاتس، وهو ما يعني أن تل ابيب لم تعد تخشى تداعيات أي استهدافٍ ولا تَحتسب لها بعدما محت، مع الولايات المتحدة، كل الخطوط الحمر منذ اغتيال المرشد علي خامنئي، وأنها تَرْمي بثقلها ومن دون أي موانع لإنجاز مهمة تغيير النظام في الجمهورية الإسلامية عبر شطب رموزه ووجوهه الأبرز.

وبطبيعة الحال، ترى أوساط مطلعة أن معادلة «لا حصانة لأحد» في إيران اي على «الأصيل» تنطبق حكماً على لبنان وحزب الله اي على «الوكيل»، وسط تأكيد كاتس «اننا في ذروة المواجهة مع طهران والحزب»، معلناً «نتوقع مفاجآت كبيرة على كل الجبهات اليوم، وهذه المفجآت تشكل تصعيداً في الحرب أمام ايران وحزب الله والضربات ستتصاعد».

- إعلان وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي انه «لا يمكن تصور انتهاء الحرب من دون وقف الصراع بشكل دائم في جميع أنحاء المنطقة»، وهو ما لاقاه موقف نقلته صحيفة «الأخبار» اللبنانية عن السفير الإيراني المعيّن حديثاً في بيروت حمد رضا شيباني، من «أن طهران ستسعى بكل جهدها إلى ربط أي اتفاق وقف نار باتفاق مماثل مع لبنان (...) والمقاومة العراقية أيضاً تدخلت ويجب أن تكون جزءاً من أي اتفاق».

وبهذا الموقف تكون طهران أكّدت المؤكد لجهة «وحدة الساحات» بالنار ووقفها، وأن حزب الله ليس في وارد قَفْلِ جبهة إسناد إيران قبل أن تنتهي الحرب الأميركية – الاسرائيلية معها، وهو ما ينطوي في جانب منه على إشارة من الجمهورية الإسلامية برسْم الجميع داخل «بلاد الأرز» كما في المجتمع الدولي بأنّها مازالت صاحبة «الإمرة» على ملف لبنان ومصير الحزب وأنها لا تسلّم ببتّه في المفاوضات التي تستعجلها بيروت – ويشكل مدخلُها بالنسبة للبنان وقف النار - كي لا تأتي بعد أن تكون تل ابيب فَرَضَتْ وقائعَ في الميدان (إقامة منطقة عازلة أو اجتياح بري واسع) تجعل الدولة اللبنانية فاقدة التوازن بالكامل على أي طاولة.

- تصعيد «حزب الله» تجاه شمال اسرائيل بعد اغتيال علي لاريجاني بصليات من عشرات الصواريخ، قيل إن أحدها كان بالستياً، في تطورٍ استدرج فعلياً تسونامي الضربات في بيروت وضاحيتها الجنوبية كما في جنوب لبنان الذي تلقى وابلاً من الغارات الأعنف منذ اشتعال الحرب في 2 مارس.

«حتى الصيف»

- التقارير الواردة من اسرائيل عن أن الهجمات على جنوب لبنان «ستستمر حتى الصيف إذا لزم الأمر»، وتهديد مصدر أمني اسرائيلي عبر «سكاب نيوز» بأن تل ابيب «تعمل وفق فرضية أن أي شخص يتواجد جنوب لبنان ليس بريئاً»، في إشارة إلى إمكانية استهدافه.

وأوضح أن «القوات الإسرائيلية المتوغلة الآن جنوب لبنان هدفها إنشاء منطقة عازلة، تبعد التهديد عن سكان شمال إسرائيل، ولا يوجد تعريف ثابت للمنطقة العازلة جنوب لبنان. إذا تطلب الأمر التقدم 8 كيلومترات سنتقدم. الأمر يسير وفق الحاجة الدفاعية».

كما أفادت صحيفة «معاريف» في تقرير بأن الجيش الإسرائيلي يمكنه فعل الكثير للضغط على الحكومة اللبنانية وبالطبع ضرب «حزب الله»، مشيرة الى «أن الخطوة الثانية هي ممارسة ضغط عبر إخلاء السكان الشيعة من النبطية ومن صور وصيدا ودفعهم شمالاً»، ومعتبرة أن على الحكومة اللبنانية أن ترى حشود النازحين في الشوارع، وعلى إسرائيل ممارسة الضغط أيضاً على حركة «أمل»، التي يُعد رئيسها نبيه بري شخصية محورية لتفكيك سلاح «حزب الله».

وإذ اعتُبرت الدعوات مساء الثلاثاء لإخلاء مناطق واسعة في منطقة صور والمخيمات الفلسطينية فيها، من ضمن مسار الضغط على بري، المتحفظ على أي مسار تفاوضي حتى اللحظة خارج الإطار الناظم لاتفاق 27 نوفمبر 2024 (وقف النار) وآليات الإشراف على تنفيذه (لجنة الميكانيزم)، توقفت أوساط متابعة عند إعلان قناة «المنار» سقوط مدير البرامج السياسية في قناة«المنار» محمد شري وزوجته، بالغارة الاسرائيلية على منطقة زقاق البلاط في بيروت وسط رصد لِما إذا كان هذا الاستهداف اغتيالاً يؤشر الى توسيع بنك الأهداف الاسرائيلي.

وفي موازاة ذلك، صعّدت اسرائيل في مسار التوغل البري بإعلان جيشها أنه «لمنع نقل تعزيزات ووسائل قتالية ينوي جيش الدفاع مهاجمة معابر على نهر الليطاني وذلك بدءاً من ساعات ظهر الأربعاء» حيث باشر ضرب جسور تربط جنوب النهر بشماله، كما الطريق الساحلي الذي يربط صيدا بصور قبل عشرات الامتار من محلة جسر القاسمية.

إحداث خرق!

وعلى وهج هذه المناخات الملتهبة يزور وزير الخارجية الفرنسي جان نويل - بارو بيروت، لمتابعة التطورات العسكرية المتسارعة واستكشاف إمكان إحداث خرق، شبه مستحيل الآن، في ملف المفاوضات الذي تسعى باريس للدخول إليه عبر أفكار سرعان ما أثارت نقزة في لبنان في ضوء سقفها غير القابل لـ«الهضم» في هذه المرحلة أقله، خصوصاً الاعتراف بدولة اسرائيل.

وقد أكد رئيس الجمهورية جوزف عون، الذي بادر لطرح التفاوض المباشر مع اسرائيل، لـ«الحدث» أنني «متمسك بمبادرتي التي أطلقتُها لوقف الحرب الإسرائيلية وحريص على التوافق الداخلي حولها قبل أي شيء».

وكان رئيس وفد التفاوض الإسرائيلي مع لبنان رون ديرمر أشار الثلاثاء إلى أن«هناك 13 نقطة خلاف حدودية مع لبنان تمت تسوية معظمها». وأضاف أنه«يمكن الحديث عن اتفاق سلام مع لبنان و إسرائيل لا تخطط لاحتلال جنوب لبنان».

وشدد ديرمر على «أن إسرائيل لن تقبل بالعودة إلى ما قبل السادس من أكتوبر 2023 ولن تسمح بأي تهديد عسكري على حدودها الشمالية»، مع تأكيد نزع سلاح «حزب الله» يشكّل شرطاً أساسياً لأي تسوية.

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي