بعد أن تفضّل صاحب السمو الأمير مشعل الأحمد الصباح - حفظه الله وسدّد خطاه- بإلقاء خطابه الاستثنائي، جلست أتأمله مضامينه وأعيد قراءته.

ومع كل قراءةٍ متجددة، كانت تستوقفني توجيهاتٌ عظيمة، ورؤى رفيعة، يُستشف منها تبيانٌ شافٍ، وقولٌ فصل، موجه من الأب إلى الأبناء، ومن الأخ الأكبر إلى إخوانه، ومن القائد الصديق إلى الشعب الوفي.

قال سموه: «بتلاحمهم وتماسكهم يحققون الإنجاز، في ظل أُسس ومرتكزات».

هي رسالة موجهة للجميع؛ فلقد مرَّت على الكويت شدائد عاتية، تجاوزتها بفضل الله ثم بمتانة «التماسك» في بنيان شعبها الداخلي، وقوة «التلاحم» الناتجة عنه في مواجهة العدوان الخارجي وغيره من التحديات. مستندين في ذلك إلى أسس الأخلاق ومرتكزات الثبات؛ فهكذا عبر أجدادنا الصعاب، وبذات النهج حققوا التنمية والازدهار.

وهذا لا يتحقق إلا باقتفاء أثر وصاياه حين قال سموه: «يرسخون للتعاون في ما بينهم طريقاً، ويجعلون التشاور نهجاً ومنهجاً، والعدل مبدأً وميزاناً». فالتعاون -مادة التنفيذ- لا يتم إلا بالتشاور -أساس التخطيط؛ إذ لا يمكن للبناء أن يرتفع ما لم يشعر الجميع بأن صوتهم مسموع وكرامتهم محفوظة. والعدل هو المناخ الذي يرسخ الاحترام؛ هذه هي الآلية الحكيمة التي وضعها سموه لتحقيق الرؤية الكبرى وهي «التقدم بالعمل الجاد رسالة، والسلام غاية».

«فالوعي بما يجري حولنا» هو الذي ينبئنا بمواطن الخطر، و«فهم ما قد يترتب عليه من تحديات» هو السبيل لفهم الخطر وتجاوزه، و«أما الثقة، فهي الأساس الذي تقوم عليه الدولة... الثقة بين القيادة والشعب» فالوعي بالخطر وفهمه لا يدرك إلا بالثقة، فهي «خط الدفاع الأول».

وحين قال سموه «مسؤوليتنا مشتركة» لأن استشعار المسؤولية يجعلنا جميعاً جنوداً ودروعاً للوطن، ويرفع من روحنا المعنوية، فنكون «واعين... يقظين... واثقين بأنفسنا وبمؤسسات وطننا» ومستعدين لتكسير «آلة الإعلام الحربية» فلا تنفذ إلينا سموم الإشاعات، ولا تجد الفتنة ثغرةً في صفوفنا، فوعينا هو السد، وثقتنا هي النصر.

وفي الختام، مهما سطرنا من كلمات، ومهما أمعنا في التحليل والتأمل، فلن نفي حقَّ خطاب سموه؛ فهو وثيقة تاريخية ومنهج حياةٍ يتجاوز حدود السطور.

اتسم كلام سموه بالصراحة الجلية والوضوح التام، فكان درساً بليغاً في بعد النظر. يوجهنا سموه ويوعينا كما يوعي الأب أبناءه؛ بأن الخطر لا يمكن مواجهته إلا بالثقة، ولا يُتدارك إلا بالفهم، ولن يتحقق الفهم إلا بالتعاون، والتعاون هو ثمرة التشاور، والتشاور مبعث القوة، والقوةُ تاجُ الوحدة الوطنية.

صاحب السمو، كل أهل الكويت تحت رايتك.