تُعدّ القوة القاهرة من المصطلحات القانونية الشائعة في العقود بمختلف أنواعها، وهي عبارة عن بند يُستخدم كوسيلة حماية قانونية للأطراف المتعاقدة في حال حدوث ظروف استثنائية تجعل تنفيذ الالتزامات التعاقدية مستحيلاً أو شديد الصعوبة. ويشمل ذلك حالات مثل تعذر تسليم البضائع، أو توقف عمليات التحميل والشحن، أو عدم القدرة على الالتزام بتعهد معين بسبب ظروف خارجة عن إرادة الأطراف.
هذا البند معمول به في معظم العقود، وخاصة في العقود التجارية الدولية، حيث يسمح لأي طرف بإعلان حالة القوة القاهرة إذا طرأت أحداث غير متوقعة مثل الحروب، الكوارث الطبيعية، أو الأزمات السياسية والأمنية، مما يمنع تنفيذ الالتزامات المتفق عليها.
انطلاقاً من ذلك، يبرز تساؤل مهم: لماذا لا تعلن الدول الخليجية المنتجة والمصدرة للنفط تطبيق بند القوة القاهرة في حال خفض إنتاجها من النفط الخام أو المشتقات النفطية أو الغاز، أو حتى في حالة توقف الإنتاج موقتاً بسبب ظروف استثنائية؟ حتى الآن، لم تعلن الدول النفطية في الخليج رسمياً تطبيق بند القوة القاهرة، رغم أن المنطقة تمتلك بنية تحتية ضخمة في مجال التكرير. فدول الخليج العربي تضم أكثر من 15 مصفاة نفطية بطاقة تكريرية إجمالية تقارب 6 ملايين برميل يومياً.
ومن أبرز هذه المصافي:
تمتلك المملكة العربية السعودية أكبر عدد من المصافي في المنطقة، إذ يبلغ عددها 9 مصافٍ.
تمتلك الكويت ثلاث مصافٍ بطاقة إنتاجية إجمالية تقارب 1.2 مليون برميل يومياً، وأحدثها مصفاة الزور، وهي من أحدث المصافي في الخليج العربي، بطاقة إنتاجية تقارب 650 ألف برميل يومياً.
أما مصفاة الرويس في دولة الإمارات العربية المتحدة فتُعد من أكبر المصافي في الشرق الأوسط، بطاقة إنتاجية تقارب 840 ألف برميل يومياً.
وتملك بقية دول الخليج مصفاة واحدة تقريباً لكل دولة.
وتُعد عمليات التكرير مصدراً مهماً للقيمة المضافة للنفط الخام، إذ تضيف ما بين 5 و10 دولارات تقريباً على قيمة البرميل. غير أن القيمة الاقتصادية الأكبر تأتي من قطاع البتروكيماويات، الذي يعتمد على مشتقات النفط والغاز ويدخل في العديد من الصناعات المتقدمة، مثل الصناعات الدقيقة والصناعات الدوائية.
في المقابل، قد تعلن أيضاً الشركات أو الدول المستوردة للنفط ومنتجاته من الخليج العربي تطبيق بند القوة القاهرة في حال تعذر نقل النفط بسبب نقص ناقلات النفط، أو رفض البحارة دخول منطقة الخليج لأسباب أمنية، أو بسبب الارتفاع الكبير في تكاليف التأمين على السفن. وفي هذه الحالات يمكن أن يُطبق هذا البند من كلا الطرفين، ويُعد ذلك مبرراً قانونياً مقبولاً، خاصة في ظل الظروف الحالية.
وتشير بعض التقديرات إلى وجود أكثر من 700 سفينة وناقلة نفط تنتظر التعليمات بالدخول إلى الخليج العربي، ما يعكس حجم التوتر والقلق في قطاع النقل البحري.
أما فيما يتعلق بأسعار النفط، فهناك توقعات بارتفاعها إلى أكثر من 100 دولار للبرميل، وربما إلى مستويات تتجاوز 150 دولاراً في حال إغلاق مضيق هرمز، وهو أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط في العالم. وفي الوقت نفسه، أعلنت الولايات المتحدة التزامها باستخدام القوة لضمان بقاء المضيق مفتوحاً أمام الملاحة الدولية.
وقد سجلت الأسواق النفطية أخيراً نحو 93 دولاراً للبرميل لنفط برنت (خام بحر الشمال). وتشير معظم التقديرات إلى احتمال ارتفاع الأسعار، ولو لفترة محدودة، خاصة إذا استمر إغلاق المضيق لأيام عدة، قبل أن تعود الأوضاع إلى الاستقرار التدريجي.
بشكل عام، تمر الأسواق النفطية والأسواق العالمية حالياً بحالة من عدم الاستقرار، مما يجعل من الصعب التنبؤ بدقة بنطاق الأسعار خلال الأيام المقبلة، خصوصاً مع احتمال اتساع نطاق الصراعات العسكرية واستمرار التوترات الجيوسياسية.
في ظل هذه الظروف، قد يكون إعلان حالة القوة القاهرة من قبل الدول المنتجة أو الشركات النفطية خطوة فعالة لحماية نفسها قانونياً من الالتزام ببعض تعهداتها التعاقدية، وذلك لأن الوضع القائم قد يجعل تنفيذ تلك الالتزامات أمراً صعباً أو مستحيلاً. وبالتالي، فإن اللجوء إلى هذا البند قد يشكل إجراءً قانونياً مبرراً يتناسب مع طبيعة الظروف الاستثنائية الحالية.
كاتب ومحلل نفطي مستقل