التلبّك المعلوماتي

تصغير
تكبير

تفتح هاتفك، فإذا السيلُ يجرفك: أخبار فورية عاجلة، وأخرى قديمة عمرها ساعة، تحليلات، آراء، وبين كل هذا مقاطع فكاهية متعلقة بالأحداث لكنها تفشل في خفض الأدرينالين المتصاعد، ثم المزيد من الأخبار العاجلة، والموسّعة، والتحليلية. أضف إلى ذلك تسابق المتسابقين على نشر المقاطع والصور من قلب الحدث، وكأن كلا منهم مراسل ميداني يسعى إلى السَبْق الذي سيتوجه على عرش وسائل التواصل الاجتماعي. ولا ننسى أيضاً الأحلام، والتنبؤات، والتسريبات المخلوطة بالتمنيات، التي يجزم كل منها بمصير المنطقة والعالم والبشرية.

نعيش في هذه الأيام العصيبة ما يمكن تسميته بالتلبك المعلوماتي؛ فيضان من المعلومات، وسيل جارف من الأخبار، مما يُدخل المرء في حالة من الإجهاد الرقمي والتلبّك المعلوماتي. نعم، فالذهن يتلبك من فرط المعلومات كما تتلبك الأمعاء من فرط الطعام. والمرء في غنى عن هذا كله لو تخفّف من هذا السيل، وقنّن مصادر معلوماته.

في القديم، كان التحدي شح المعلومات. فكان الناس يضربون أكباد الإبل بحثاً عن كتاب في الماضي البعيد، وكذلك في الماضي القريب كنا نجوس بين المكتبات بحثاً عن كتاب عزيز. كانت نشرة الأخبار الوحيدة في التاسعة مساء إن لم تخذلني الذاكرة، وكانت الأخبار اللاحقة لا تأتي إلا في اليوم التالي في الصحيفة. كان الإنسان قادراً أن يعيش نصف يوم أو أكثر بلا جديد الأنباء، حتى في أوقات الحروب والأزمات. المشكلة اليوم في الفيضان المعلوماتي؛ الكثير من المعلومات غير المفروزة التي تشتت انتباه الإنسان فيكاد لا يفيد من أي منها. وحينما تكون المعلومات هذه أخباراً سياسية آنية والبلاد تتعرض لهجمات غاشمة، فمن الطبيعي أن يتبلبل الإنسان ويجزع ما دام يعرض نفسه لهذا القدر منها. فماذا علينا لو اقتصرنا على متابعة الأخبار من مصادرها الرصينة، ورشّدنا من تعرضنا لها؟

قبل سنتين تقريباً، اتخذت قراراً بحذف جميع برامج التواصل الاجتماعي من هاتفي الشخصي الذي يلازمني مع الاكتفاء بتطبيق الواتساب. وصرت أتصفح بقية برامج التواصل حين الفراغ من الجهاز اللوحي القابع في البيت. وأجزم أنه لم يفتني شيء مهم جراء قراري هذا. ألم يقل الشاعر طَرَفة بن العبد «ويأتيك بالأخبار من لم تزود»؟ ألا قد صدق، فالأخبار المهمة ستأتي عندك، ستلحقك إلى عقر دارك، فتوقفنَّ عن ملاحقتها.

يعتصر الألم قلوبنا من العدوان الذي تتعرض له بلادنا، ويزيد في ذلك كوننا في شهر رمضان المبارك. لكني أزعم أن هذا خير وقت يحدث فيه ذلك! إذ نحتاج إلى السكينة والطمأنينة التي يأتي بها رمضان كي نطيق ما يحدث، وكي لا يندس الخوف بيننا. لكن كيف نفعل هذا والخوف من طبع الإنسان؟ سيسأل سائل. أقول إن مجرد تغيير طريقة التفكير بأمر ما كفيلة بتحويله إلى نقيضه. قبل أيام كتبت تغريدة قلت فيها:

«صافرة الإنذار ليست مدعاة للخوف، بل للطمأنينة والشكر! هي تقول لك إن أبطالاً في مرمى الخوف والخطر يحمون حمى الوطن كي تكون أنت في مأمن. فلا تنسهم من دعائك مع كل صافرة تسمعها بأن يحفظهم الله، ويجزل لهم الأجر. لكن، الرجاء عدم الإفراط في الطمأنينة والخروج وقت الصافرة!»

لا شيء مثل رمضان يمكنه أن يمنحنا هذه القدرة العجائبية لتحويل القلق إلى سكينة، والخوف إلى طمأنينة، والتشتت إلى همّة. رمضان مدرسة، ودرسها هذه المرة: (عدم الجزع).

قد يخيل لنا أن لا وقت للعبادة في رمضاننا هذا لأننا محاطون بالأحداث والمخاوف، لكن حقيقة الأمر أن عبادتنا هي التي تبطل كل ذلك. هي السبب لا النتيجة. فلنرفع أيدينا عن هواتفنا، ولنرفع أيدينا إلى الله. ولننتشل أنفسنا من الانغماس في سيول الأخبار، ولننغمس في سكينة العشر الأواخر من رمضان.

يد الكويت التي امتدت إلى العالم على مدار السنين بالحب والعطاء، لن تعود خائبة وقد ارتفعت داعية رباً كريماً لا يرد سائله. ودعاؤنا لله ورجاؤنا في هذه الأيام الفضيلة أن يحفظ كويتنا وخليجنا من كل شر ومكر، وأن يحفظ أبطالنا البواسل وأن يجعلهم ممن قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم: «عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله».

hayatalyaqout@

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي