قد صحّ عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أنه قال: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه). رواه البخاري ومسلم. وفي هذا الحديث وأحاديث أخرى، دعوة غير مباشرة إلى تفهّم المسلم لأحواله الشخصية وقياس من يخالطهم من الناس على نفسه كي يعاملهم كما يعامل نفسه، وهذا في غاية الإنصاف.

إنّ النفس البشرية عبارة عن منظومة معقدة من الأفكار والأحاسيس والمشاعر، والانطباعات والخواطر، ومنذ القديم سعى الإنسان إلى فهم أخيه الإنسان حتى يعرف كيف يتعامل معه، ويستفيد منه، ويتقي شرّه على النحو الصحيح متى ما صدر منه الشر، أي فهم الآخر حول ردود أفعاله على أحداث معينة.

إنّ القدرة على فهم منظور الآخرين ومشاعرهم وتبادلها، تعني أن نحاول رؤية الأشياء من وجهة نظرهم، حيث إن كل واحد منّا نشأ في ظروف معينة، وتعلم تعليماً معيناً، ولذا فإن له رؤية خاصة للحياة والناس. لا نقصد هنا أن نوافق الآخرين فيما يرون، ولا هم يوافقوننا، لكن المطلوب منا ومنهم الأناة في إصدار الأحكام، وهذا شرط لكل من يريد مساعدة الآخرين، أو التأثير فيهم، أو الاستفادة منهم. والمطلوب من كل أسرة أن تؤسس في شخصيات أبنائها معاني الكرامة والحرية والعدالة والمساواة، لتكون محركات أخلاقية في وجه الطمع والظلم والعدوان، وذلك لأن أول عاطفة للطفل، هي عاطفته تجاه نفسه، ثم تنشأ عاطفته نحو أمه وأبيه وإخوته، ثم يبدأ تواصله العاطفي مع العالم من خلالهم، وهم الذين يؤسسون لديه نوعية ذلك التعاطف، وهم الذين يمنحون القيمة لمعاني الرحمة والإحسان، والاهتمام والمراعاة، ويرسخون كل ذلك في عقل الطفل ونفسه، لأن أطفالنا سيخوضون معارك هذه القيم السامية في المجتمع في يوم من الأيام، ويجب أن يكونوا دائماً متشربين ومتشبعين بها في سلوكياتهم الشخصية.

عندما تكون لدينا القدرة على فهم منظور ومشاعر الآخرين، فنحن نصون إنسانيتنا، ونحيي أخلاقنا التراحمية والتعاطفية، وننشر ثقافة الإحسان والتعاون، إلى جانب نشر ثقافة التسامح، والكياسة الاجتماعية. وها هو وصل وحضر شهر الخير والبركات، محملاً بالنفحات التي تكون لنا عوناً للتخلص من التبلد العاطفي، ونصحو من غفلتنا ونشعر بمعاناة الآخرين، والصعوبات التي يواجهونها في الحياة، فنحن نعيش في مجتمع واحد من أجل التفاعل والتشاعر والتعاطف، حيث إن كل واحد منا في حاجة إلى شيء يستند إليه في مواجهة الظروف الصعبة.

M.alwohaib@gmail.com

mona_alwohaib@