في الأسبوع الماضي تمت دعوة وتكريم الأستاذ المستشار الدكتور / عبدالرسول عبدالرضا بهبهاني - رئيس إدارة الفتوى والتشريع الأسبق في دولة الكويت - من قِبَل المستشار الدكتور / حسين مدكور - رئيس هيئة قضايا الدولة - وذلك للاحتفال بمناسبة مرور 150 عاماً على نشأة هيئة قضايا الدولة في جمهورية مصر العربية الشقيقة.

والتكريم في جوهره ليس مجرد احتفال، بل هو تكريس لقيم العمل والاجتهاد لخدمة الوطن والمجتمع، وتحفيز الآخرين على التنافس.

تزخر الكويت بتاريخ طويل من الرجال البارزين الذين ساهموا في نهضة وخدمة الوطن، وهنا سنتطرق لشخصية بارزة في تخصص القانون، تميز بالعطاء اللامحدود يشار إليه بالبنان ونخص بالذكر:

المستشار الدكتور /عبدالرسول بهبهاني - بوصلاح، رئيس إدارة الفتوى والتشريع الأسبق، هو ابن الكويت المحب لوطنه، كرّس نفسه ووقته مجتهداً في عمله لرفع اسم الكويت.

تُعد إدارة الفتوى والتشريع المرجع القانوني الأعلى للدولة، وتهدف أساساً إلى حماية المصالح العامة للدولة عبر تقديم المشورة القانونية، وصياغة القوانين واللوائح، وتمثيل الجهات الحكومية أمام القضاء والتحكيم، بالإضافة إلى مراجعة العقود الحكومية لضمان سلامتها القانونية.

المستشار بهبهاني، قليل الكلام كثير الأفعال، صمته حكمة ونظرته ثاقبة وكلامه عبرة، يعمل بأمانة وصدق، قيادي يعمل بإخلاص، بعيداً عن ضجيج الإعلام، يحسن أداء عمله وإنجازاته تتكلم عنه.

وهو يصون القسَم العظيم الذي قطعه على نفسه، بأن يكون مخلصاً للوطن والأمير، وأن يحترم الدستور وقوانين الدولة، وأن يذود عن حريات الشعب ومصالحه وأمواله، ويؤدي أعماله بالأمانة والصدق.

فهو مثالٌ نادر لرجلٍ عصاميٍّ لم تُفسده المادة، ولم تُبدّل المناصب جوهره، فبقي كما هو نقيّ السريرة عظيم الخُلق، قريباً من الناس بعيداً عن الغرور.

النشأة والبدايات:

ولد في حي الشرق في الكويت عام 1937، وتزوج وهو طالب في المرحلة الثانوية من قريبة له المرحومة بإذن الله الأستاذة / مريم عبدالحميد معرفي، فالتحق بالعمل في إدارة الموانئ والجمارك كاتباً للمنافيست لبضاعة السفن كي يعتمد على نفسه ويصرف على أسرته، وأكمل دراسته في الفترة المسائية، وبعد حصوله على شهادة الثانوية العامة، ابتعث إلى جمهورية مصر العربية لدراسة الحقوق، واستقر بالإقامة في القاهرة لفترة 11 عاماً، من عام 1963 / 1974 نال خلالها شهادة البكالوريوس بالحقوق، ومن ثم الماجستير والدكتوراه ومنها سنتان لتحضير الرسالة في فرنسا.

وقيل بالأثر: «النجاح لا يحتاج إلى أقدام بل إلى إقدام».

سر النجاح

المساندة والتشجيع المتبادل بين الزوجين، فهما أساس العلاقة الزوجية الناجحة والقائمة على المودة والرحمة، والشراكة الحقيقية في مواجهة الحياة.

كانت شريكة حياته المرحومة / مريم معرفي، خير من يسانده ويعاونه ويشاركه قساوة الحياة، خصوصاً في مراحل دراسته العليا، تحملت مشقة السفر والغربة والبعد عن الوطن وعن أسرتها الكريمة، وانقطعت عن إكمال تحصيلها العلمي، وتحمّلت مسؤولية تربية الأبناء ومراعاة الزوج.

وبعد العودة إلى الكويت، لم ينس الدكتور -بوصلاح- الوفاء والإخلاص وتضحيات شريكته في الحياة، فبادر بتشجيعها في إكمال تحصيلها العلمي، فالتحقت بالمدارس الكويتية المسائية، وأكملت دراستها في المرحلتين المتوسطة والثانوية، ثم الالتحاق بجامعة الكويت ونالت شهادة بكالوريوس كلية الحقوق، وكانت من المحاميات المرموقات بالكويت، وهي ثاني محامية كويتية لديها مكتب خاص.

رحلة العودة إلى الوطن:

1/ عاد الدكتور -عبدالرسول بهبهاني، إلى الكويت وعُيّن بالهيئة التدريسية في جامعة الكويت في كليه الحقوق سنة 1974.

2/ وخلال فترة قصيرة في 1975 ترقى إلى مساعد عميد كلية الحقوق لكفاءاته.

3/ وفي عام 1976 تولى منصب أول عميد كويتي في كلية الحقوق.

4/ لاحقاً رشحه رئيس الفتوى والتشريع السابق الشيخ / سلمان الدعيج، ليكون خلفاً له رئيساً لإدارة الفتوى والتشريع، من عام 1977 - 2001.

وبذلك كان الدكتور عبدالرسول، ثاني رئيس كويتي لهذه الإدارة.

وفي فترة حل مجلس الأمة 1976 - 1981، شكلت لجان عدة من المستشارين والقضاة وأساتذة القانون والمحامين وتم إصدار خلال هذه الفترة 500 قانون، وتمت المصادقة على جميعها في أول جلسة انعقدت لمجلس الأمة لاحقاً.

5/ في عام 2001 - 2007 شغل منصب نائب رئيس لجنة المناقصات المركزية.

-أثناء الغزو الغاشم 1990

باشر عمله في الخارج وجمع مجموعة من المستشارين، وكانت استشاراته القانونية مستمرة مع القيادة السياسية الكويتية في المملكة العربية السعودية الشقيقة.

-أقام ندوات ومؤتمرات دولية عدة في الخارج لتبيان حق دولة الكويت، وتلاحم أبناء الوطن مع القيادة السياسية، وعمل بتفانٍ وإخلاص بالرغم من أسر ابنه فلاح، الضابط المجند منذ اليوم الأول من الغزو.

وهذا الموقف يجسد قمة التضحية والوفاء، حيث يُقدم حب الوطن والمصلحة العليا للبلاد على العواطف الشخصية، حتى في أصعب الظروف مثل أسر الابن.

ويعكس هذا الموقف إيماناً بأن كرامة الوطن من كرامة أهله، وأن الولاء الحقيقي يتجاوز المصالح الفردية، معتبراً الوطن هو الهوية والمأوى الآمن.

وعندما تحررت الكويت عاد إلى الوطن والتحق بعمله في إدارة الفتوى والتشريع.

المستشار الدكتور /عبدالرسول بهبهاني،

تميز بالنظام والدقة في العمل، ولقد شهد له القاصي والداني بالتحلي بمكارم الأخلاق، واتصف بالخلق الرفيع والصدق والأمانة، تعامل مع الموظفين في إدارته على حد سواء مع الكبير والصغير، وابتعد عن الظهور الإعلامي.

وكان أثناء عمله كرئيس للفتوى والتشريع، ينتدب لتدريس الطلبة في جامعة الكويت، لشغفه بمقاعد المحاضرات التعليمية، ما يؤكد بأن مهنة المعلم رسالة سامية لأبنائنا الطلبة، وبعد التقاعد لم يتوقف عن العمل بل عاد إلى جامعة الكويت ليستمر عطاؤه الأكاديمي لأبنائه الطلبة في كليه الحقوق من عام 2007 - 2024.

الوفاء ديدن المخلصين

المحبة لا تباع ولا تشترى ولا تؤخذ بالقوة، إنما هي قلوب سخّرها الله لبعضها البعض.

نجد ديوانه في منطقة بيان، لا يزال عامراً بالحضور سواءً من المستشارين -المحامين - الوزراء -أعضاء مجلس الأمة السابقين- الأكاديميين - طلبة كلية الحقوق والأصدقاء والمحبين من مختلف أطياف المجتمع، فالمحبة رزق وكل منا له نصيبه من هذا الرزق.

العِبر والدروس المستفادة

1/ «حب الوطن من الإيمان»، وهي غريزة فطرية ودافع للوفاء والتضحية.

2/ سر النجاح يكون انطلاقاً من العلاقة الناجحة بين الزوجين، والعنصر المهم في النجاح هو المودة والرحمة، ومن آياتهِ «أن خلقَ لكم من أنفُسِكُم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعلَ بينكم مودة ورحمة إنّ في ذلك لآياتٍ لقوم يتفكرون».

3/ الطموح والإرادة القوية لا تتوقف أمام الصعاب خصوصاً في التحصيل العلمي.

4/ المسؤول يجب أن يكون قدوة وأسوة حسنة للآخرين.

5/ التواضع ميزة أخلاقية رفيعة ونفسية أصيلة، تعكس نقاء القلب وقوة الشخصية، وهو ليس ضعفاً بل قوة تجلب محبة الناس.

ختاماً،

ما أجمل وما أروع وما أعظم أن يكون الإنسان في هذه الحياة مكافحاً، وهذه الشخصية الفريدة من نوعها التي لم يوقفها مانع ولم تمنعها صعوبات هو قدوة لكل الشباب الطموح في دولتنا الحبيبة الكويت التي وفّرت كل شيء لمواطنيها ولم يبق إلا العمل والجد والاجتهاد، فلكل مجتهد نصيب.

نسأل المولى عز وجل بأن يوفق ويحفظ المستشار الدكتور عبدالرسول بهبهاني، من كل مكروه ويديم عليه الصحة والعافية، فتلك الشخصية تميزت بالصدق والأمانة والإخلاص وله بصمة وطنية مشرفة في دولتنا الحبيبة الكويت.

فإن كنت محبوباً بين الناس فأنت في نعمة، اشكر الله عليها.

اللهم احفظ الكويت آمنة مطمئنة، والحمد لله رب العالمين.