ليست الأساطير دائماً حكاياتٍ تولد من رحم الخيال، وتُنسج بخيوط المبالغة والسرديات التي تتجاوز حدود الواقع والعقل، بل إن بعضها يولد على العشب الأخضر، وتُخط فصوله بعرق الجبين، وتُحفظ في ذاكرة الجماهير لا في كتب الحكايات.
فتحي كميل، رحمه الله، لم يكن أسطورة تُروى، بل كان حقيقةً سارت على قدمين، وموهبةً نبضت في الملاعب، ورمزاً كتب اسمه في الوجدان قبل أن يُكتب في سجلات التاريخ. لم يكن فتحي كميل أسطورة متخيلة، بل كان أسطورة حقيقية صنعها بنفسه، وكتب فصولها بجهده وموهبته، ثم أهداها للجمهور، فتلقّاها بمحبة صادقة وتبجيل مشحون بعواطف النبل.
منح فتحي كميل، الرياضة عنواناً جميلاً لكتاب كبير، تموج أسطره بألوان البحر، وتُطبع على صفحاته صور لا تُنسى. لعب في ملاعب الكويت كافة، فكان في كل ملعب بصمة فنية، وقدَماً ذهبية، ولمحة إبداع ولوحة متلونة متحركة، ألهمت الجماهير وأشعلت أحلام الطامحين إلى احتراف الرياضة.
لم يكن فتحي كميل، لاعباً عابراً في الوقت الضائع، بل كان لاعباً أساسياً في تاريخ الكرة الكويتية والخليجية. استحق بجدارة لقب «الفارس الأسمر»، فارساً بأخلاقه قبل مهارته، وبحضوره قبل إنجازه، وبسماره الجميل كما بروحه النقية. لم تُسجل في مسيرته خصومة، ولا شجار، ولا صخب رياضي ممزوج بالسياسة، فظل اسمه نقياً كما كان أداؤه راقياً.
ورغم أن علاقتي به لم تتجاوز اللقاءات العابرة، إلا أن حديثه لي في أحد اللقاءات كان كافياً ليؤكد الصورة التي رسمتها له مسبقاً في ذهني؛ رجل صادق بطبيعته، هادئ في سجيته، قريب من القلب دون تكلف. تحدث عن معاناته مع المرض بطمأنينة نادرة، وبهدوء يشبه هدوءه وهو يروّض الكرة التي طالما داعبت قدميه وأبهرت العيون التي تسامرت مع صيحات وأفراح الجماهير.
كان فتحي كميل، رياضياً جسّد أخلاق الرياضة في أنقى صورها، وتعامل معها كفن راقٍ لا كمجرد مهنة، وأحبها كهواية صادقة لا كغاية نفعية. وحين أدرك أن الوقت قد حان للفراق، ابتعد عنها بهدوء الكبار، وودّعنا بصمت الواثق أنه سيبقى حاضراً فينا، تاركاً خلفه إرثاً لا يبهت، وذكرى لا يشيخها الزمن.
رحمك الله يا فتحي كميل، وتغمّدك بواسع رحمته، فقد رحل الجسد، وبقيت الأسطورة الحقيقية التي ستتناقلها الأجيال العاشقة للفن والرياضة. رحمك الله يا فتحي كميل، فقد كنت أكثر من لاعب، وأكثر من نجم... كنت قيمةً، وكنت زمناً جميلاً لن يتكرر.