رأي نفطي

«أوبك» والقرار المقبل

تصغير
تكبير

تترقب الأسواق النفطية القرار المقبل لمنظمة الدول المصدّرة للنفط «أوبك»، بشأن الاستمرار في سياسة تجميد الإنتاج المعمول بها منذ نوفمبر 2025، أو اتخاذ قرار مختلف خلال الفترة المقبلة. وتشير المعطيات الحالية إلى أن المنظمة تميل إلى الإبقاء على قرار التجميد حتى نهاية الربع الأول من العام الحالي، خصوصاً في ظل مستويات أسعار تُعد مقبولة ومعتدلة، وإن كانت لا تمثل المعدل المثالي الذي تطمح إليه الدول المنتجة.

ورغم أن رفع أسعار النفط لا يتحقق إلا من خلال خفض الإنتاج، فإن هذا الخيار لا يبدو مطروحاً في الوقت الراهن، إذ لا ترغب «أوبك» في خفض إنتاجها بما يصب في مصلحة الدول المنتجة من خارج المنظمة. وتأتي الولايات المتحدة الأميركية في مقدمة هذه الدول، حيث تتصدر الإنتاج العالمي بكميات تتجاوز 13.5 مليون برميل يومياً. كما أن مطالب الإدارة الأميركية بزيادة ضخ النفط في الأسواق لا تلقى قبولاً لدى المنتجين الأميركيين أنفسهم، لما لذلك من تأثير سلبي على العوائد المالية.

ويعاني منتجو النفط الأميركي من حالة قلق متزايدة نتيجة التدخل المباشر للإدارة الحالية في الشؤون النفطية المحلية، لأسباب انتخابية، وهو ما قد يؤدي إلى حالة من الهلع في الأسواق وانخفاض حاد في الأسعار. ويُعزى الارتفاع الحالي في سعر البرميل، الذي بلغ نحو 65 دولاراً للنفط الأميركي، إلى سوء الأحوال الجوية والفيضانات التي أثرت على الإنتاج. غير أن زوال هذه الظروف قد يؤدي إلى تراجع الأسعار إلى ما دون 60 دولاراً للبرميل، وهو ما لا يخدم مصالح المنتج الأميركي الذي يواجه تكاليف إنتاج مرتفعة.

ويفوق الإنتاج النفطي الأميركي إنتاج كل من السعودية وروسيا، حيث يقل إنتاج كل منهما عن 10 ملايين برميل يومياً، مقابل أكثر من 13.5 مليون برميل يومياً للخام الأميركي. وفي ضوء ذلك، قد ترى «أوبك» أن الوقت غير مناسب لاتخاذ أي قرار آخر سوى التمديد حتى نهاية شهر مارس، مع الاستمرار في مراقبة الأسواق النفطية، خاصة في ظل الطلب العالمي القوي على النفط، وعدم وجود مبرر للتدخل في هذه المرحلة.

وتملك دول منظمة أوبك نحو 1.5 مليون برميل يومياً كطاقة فائضة مخزنة في الصهاريج، لا يتم ضخها إلى الأسواق في محاولة للحفاظ على مستوى مناسب لسعر برميل النفط. ويأتي ذلك رغم العجوزات المالية التي تواجهها دول المنظمة نتيجة ضعف الأسعار، والتي لا تتناسب مع حجم مصروفاتها السنوية، ما يدفع بعضها إلى اللجوء إلى الاقتراض، في ظل غياب بدائل أو مصادر دخل مالية أخرى تعوّض النفط.

وفي هذا الإطار، تتبع دولة الكويت سياسة واضحة تقوم على الاستغلال الأمثل لكل قطرة نفط، من خلال تعظيم الاستفادة من التكرير بدلاً من بيع النفط الخام فقط. وتمتلك الكويت مصافي محلية تُعد من الأفضل عالمياً، إضافة إلى مصافٍ خارجية، ما يحقق عوائد مالية أعلى ويزيد من القيمة المضافة لكل برميل نفط. كما يتيح هذا النهج تنويع قاعدة العملاء، بدلاً من الاعتماد على عدد محدود من مشتري النفط الخام.

وقد مكّنت هذه السياسة الكويت من تزويد العديد من الدول بالمشتقات النفطية، لا سيما الدول التي لا تمتلك مصافي تكرير، في مختلف القارات. كما سبق للكويت أن زودت بعض الدول الخليجية بكامل احتياجاتها من المشتقات النفطية، إضافة إلى اليمن شماله وجنوبه، مع تكرير النفط الخام الكويتي في مصفاة عدن، فضلاً عن تزويد دول أفريقية مثل السودان وإثيوبيا والصومال وإريتريا وموريشيوس بالمشتقات البترولية.

واعتمدت الكويت نهج الاستثمار في المصافي كوسيلة لتصريف نفطها الخام، وكان من أبرز هذه المشاريع مصفاة الشعيبة المشتركة بين القطاعين الحكومي والخاص، التي شكّلت نموذجاً ناجحاً ساعد الكويت على التوسع في الأسواق الخارجية، والدخول إلى الأسواق الآسيوية والأوروبية، ومنافسة الشركات النفطية الكبرى بخبرتها في التكرير والتسويق.

وتُعد الكويت من أولى دول «أوبك» التي دخلت مجال التكرير والتصنيع النفطي، ما مكّنها من إضافة قيمة أعلى لكل برميل من النفط الخام، والدخول إلى أسواق متعددة بكميات محدودة ولكن بعوائد أفضل.

وفي بعض الدول، كانت الكويت المزوّد الوحيد للمشتقات النفطية، ما حمّل قطاع التسويق مسؤولية كبيرة، إذ إن أي تأخير في الإمدادات قد يؤدي إلى شلل كامل في قطاعات النقل والكهرباء والمياه.

ورغم عدم امتلاك الكويت كميات إضافية كبيرة من النفط الخام، فإن إنتاجها الحالي كافٍ لتلبية الاحتياجات المطلوبة، مع وجود توجه لزيادة الإنتاج مستقبلاً، بالتوازي مع رفع الطاقة الإنتاجية للمشتقات النفطية في المصافي المحلية الثلاث، إضافة إلى مصفاتي الدقم وفيتنام. ويأتي ذلك في ظل الزيادة المستمرة في الطلب العالمي على المشتقات النفطية، خصوصاً في الأسواق الآسيوية.

وفي الختام، تبقى الأسواق النفطية بانتظار الاجتماع المقبل لمنظمة أوبك لمتابعة تطورات الأسعار واتخاذ القرار المناسب. ويُعد سعر البرميل الحالي، الذي يقترب من 69 دولاراً، مستوى مناسباً في الوقت الراهن، مع عدم توقع تحقيق مستويات أعلى في المدى القريب، وسط مخاوف ما قد تحمله المرحلة المقبلة، لا سيما مع بداية شهر أبريل.

كاتب ومحلل نفطي مستقل

[email protected]

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي